فى ذكرى الشيخ الشعراوى

18/06/2013 - 3:56:45

د . أيمن رفعت المحجوب د . أيمن رفعت المحجوب

د . أيمن رفعت المحجوب


أعتقد أن فضيلة الإمام الأكبر العالم الجليل الشيخ محمد متولي الشعراوي حينما ذكر في مقولته الشهيرة من عشرات السنين أن " الثائر الحق " هو الذي يثور لهدم الفساد ، ثم يهدأ ليبني الأمجاد ، كان صاحب رؤية مستقبلية صائبة ، وتمتع بحكمة ندر أن يجود بها هذا الزمان .

وإني لأسأل نفسي لماذا... هذا الثائر الحق في أمتنا العربية بعد أن هدم الفساد لم يبدأ بعد في بناء الأمجاد ؟ أسوف نظل ثائرين إلى ما لا نهاية ؟! أم أن الهدف هو أن نكون ثائرون !

وإني لأرى في تحليل مصطفى لطفي المنفلوطي جزء من الإجابة على هذا السؤال وذلك من خلال مرحلة ما بعد الثورة في أي مكان وزمان ، وهي ما تعرف
" بفلسفة التحول الثوري " التحول من الثورة إلى البناء.

إن ما تمر به مصر اليوم يعرف بمرحلة التحول الثوري ، التحول الذي كان يجب أن نحدثه بأنفسنا . والأمر هنا حتمي ، سواء رغبنا أم لم نرغب ، فالتحول الثوري قد بدا . وعلينا أن نفتح أعيننا إلى ما هو قادم ونكون أمة تبني مستقبلها على التخطيط وليس رد الفعل.

 " فالتحول الثوري انتقال من حال إلى حال ، وأول الخطأ أن نوجه أنظارنا إلى حال المبتدأ ، أو أن نوجهها إلى حال المنتهي ، لأن مرحلة التحول الثوري هي الواقعة بين الحالتين . فليس صواب أن نقيسها بمعايير الماضي ، أو أن نقيسها بمعايير المستقبل الذي سوف يكون . فكأنما الحاضر التحولي هو مرحلة المراهقة في حياة الإنسان الواحد ، فلا هو الطفل الذي كان ولا الرجل الذي سيصبح" .

وفي مرحلة التحول الثوري صاحب القواعد الجامدة هو المحكوم عليه بالتهلكة والضياع . فالقاعدة الأولى في مرحلة التحول الثوري هي ألا تكون هناك قاعدة تسد علينا طريق المغامرة والمبادرة والخلق. أن " الجديد " لم يتحدد بعد ، حتى يجوز لنا أن نقعد له القواعد ونقنن له القوانين . الجديد هو في طريق الصنع ، نحن الذين نصنعه في مراحل التحول هذه . نبتكر لكل موقف ما يلائمه . ونلاقي كل مشكلة بما يناسبها. وإننا إذ نشكل المواقف ونشكل في صورتنا الجديدة ، فلا بد أن يكون من صفات هذه المرحلة تغير لحظي ومستمر . ليس العيب هو في هذه المراجعة الدائبة لنظم الحكومة والسياسة ، والعلاقات الخارجية ، .... الخ ، إنما العيب هو الوقوف عندما كان قائما ، كأنما هو الأزل الذي لا يبيد. فحقائق الأشياء لا تثبت هكذا ولا تستقر ، إلا حين تجمد أوضاع الحياة على حالة هادئة ساكنة يرضى عنها الإنسان . أما حين يزول عن الإنسان الرضى ، ويهم بالانتقال إلى حالة أخرى ، فعندئذ تكون حقيقة الكائنات أنها تتغير ، وخاصة الإنسان.

والإنسان في مرحلة التغيير يجب أن لا يخجل من أن يهز القيم ويرج المعايير ، فلا ينبغي أن تكون لشيء أو لفكرة. أو لوضع ، أو لنظام معين ، حصانة تصونه من النقد والتصحيح . فكيف يتم التغيير بدون أن نقع على أوجه النقص وننقدها ونصححها ، لكي نكشف حقيقتها وتتعرى للجميع.

فالحكم على المستقبل قياساً على الماضي ، لا يجوز إلا في حالات الثبات والاطراد ، أما في حالات التحول الثوري ، فبحكم الفرض نفسه . والفرض هنا هو أننا " نتحول " لن يجيء المستقبل على صورة ماضي ، واذن فلا يحق لأحد أن يحكم بالذي كان على الذي سوف يكون ، فمحال لغدنا أن يحاكي أمسنا ، فلئن كان الاطراد في الجماعات المستقرة هو الأصل ، والتغير هو الشذوذ ، ففي مراحل التحول الثوري ، ينعكس الموقف ، ليصبح التغير هو الأصل ، والثبات المطرد هو الشذوذ.

وفي الحياة المستقرة يفيد الشباب من خبرة الشيوخ ، ومن ثم فواجبهم الخلقي ، هو في توقير الشيوخ واحترام ما يدلون به من رأي . لأنه رأي الخبرة ، والخبرة هي صورة الماضي ، والمستقبل سوف يأتي على غرار الماضي ، وإذن ففي رأي الشيوخ إضاءة وهداية – وإما في الحياة المتحولة – التي نحن فيها الآن ، ففي كل لحظة جديدة لا يعرفها الشيوخ ، ولم تعد خبراتهم بالماضي لتغير حتى وإن أمتعتنا بذكرياتها . وذلك لأنه في الحياة المتحولة ثورياً لا قياس لغد على أمس ، لأنه لن يكون غداً كأمس أبداً.

أما مفتاح الصواب اليوم ، فهو أن نبدأ بهضم هذه الفكرة هضما جيداً ، فكرة أننا نتحول ، وإذن فنحن نتغير ، وإذن فلا حكم لماضي على آت . مفتاح الصواب اليوم هو أن ننظر إلى حالة التحول الثوري هذه من الداخل ، لنعيشها ونعانيها . بل وأقول أن مفتاح العيش في عصرنا ومعه هو أن ندرك من الأعماق ما معنى أنه عصر التحول الثوري . فلا مجال هنا لأهل الخبرة ولا لأهل الثقة ، فهذه المصطلحات قد سقطت في طريق التحول الثوري ، واستحدثت بمصطلحات جديدة تتناسب مع مرحلة التحول الثوري ، يجب أن نبحث فيها حتى يتوفر لنا الأدوات اللازمة للتحول الثوري الحقيقي.

وقد يكون هذا هو السبب في تأخر مرحلة بناء الأمجاد التي تلحق هدم الفساد الذي تنبأ به فضيلة الإمام العالم الجليل الشيخ محمد متولي الشعراوي – رحمه الله.

ولن يتم هذا واضحاً إلا إذا عرفنا نحنى العرب أولاً : تحول من ماذا ؟ والى ماذا ؟ هنا تكمن الإجابة في أسباب نشوب أي ثورة ، وأسباب تحول أي مجتمع من حالة التغير الثوري لهدم الفساد إلى حالة الاستقرار وبناء الأمجاد.