محتوي الإعلام الهابط كظاهرة متكررة (٢-٢)

17/06/2019 - 10:57:09

د.حسن عماد مكاوى د.حسن عماد مكاوى

بقلم... د.حسن عماد مكاوى


يري البعض أن واحدة من أهم وظائف الإعلام تكمن في الحفاظ علي الأوضاع القائمة ودعم الهيمنة لمن هم في مراكز السلطة والنفوذ، وحيث سيطرة الصفوة الاقتصادية علي المؤسسات الاجتماعية ومن بينها وسائل الإعلام، وترتكز نظرية الاقتصاد السياسي علي تأثير القوي الاقتصادية في المجتمع علي الأنشطة التي تمارسها وسائل الإعلام، ومن المهم في هذه النظرية إدراك الارتباط العضوي بين النظام الاقتصادي والنظام السياسي، حيث تحرص الحكومات علي وضع القوانين التي تسهل أنشطة رجال الأعمال وبالتالي يتحقق الانتعاش الاقتصادي، وفي المقابل يحرص رجال الأعمال علي مساندة الحكومة ودعم مرشحيها السياسيين الذين يحمون مصالحهم الاقتصادية وأنشطتهم الاستثمارية، ومن هنا سعي بعض رجال الأعمال إلي إنشاء وتملك مؤسسات إعلامية تعبر عن مصالحهم وتكون لسانآ لأحوالهم، وحيث أن الهدف من إنشاء مؤسسات إعلامية خاصة هو الترويج لمصالح ضيقة لبعض رجال الأعمال أو ذوي النفوذ، فإنهم يحرصون علي تشجيع المحتوي الهابط الذي يخاطب الغرائز وتغييب الوعي، وهو ما يفسر تكرار بث هذا المحتوي الهابط في الإعلام الخاص في السنوات الأخيرة. يضاف إلي سيطرة رأس المال الخاص علي الرسالة الإعلامية هذا الخلط الواضح بين الوظيفة الإعلامية والوظيفة الإعلانية، ويمتد هذا التداخل إلي اختيار أفكار البرامج والمسلسلات الدرامية واختيار المؤلفين والمخرجين والممثلين ومقدمي البرامج. وفي ظل هذه الحالة المنفلتة، برزت ظاهرة شراء وقت البث من قناة خاصة لتقديم المحتوي الهابط مثل البرامج الحوارية المبتذلة التي تنتهك خصوصية الأفراد، وبرامج المقالب، والبرامج الرياضية التي تعزز التعصب والانقسام وتصفية الحسابات الشخصية. ورغم قلة المسلسلات الدرامية هذا العام بالمقارنة مع الأعوام السابقة، إلا أن بينها قواسم مشتركة مثل تكريس العنف والبلطجة والصراعات الطبقية، والمطاردات البوليسية الساذجة، وشيوع أجواء النميمة والفتن والمؤامرات، وعدم الربط المنطقي بين الأسباب والنتائج، وإبراز التناقض الحاد بين حياة البذخ والرفاهية والمنتجعات المغلقةوحياة الفقر والبؤس والجريمة والبلطجة وإشاعة التفسخ الأسري والانحلال الأخلاقي. تعرضت هذه الأعمال لنقد لاذع في كتابات الخبراء والنقاد والمشاهدين علي مواقع التواصل الاجتماعي في رسالة مفادها أن هذه الأعماي لا تعبر عن الناس، وأن السمة الأساسية لمجمل الأعمال المذاعة في شهر رمضان هي السطحية والتفاهة وغياب المهنية والانحدار بالذوق العام، وقد تجلي ذلك في تقرير لجنة الدراما بالمجلس الأعلي لتنظيم الإعلام حيث رصدت ٩٤٨ مخالفة في ١٨ مسلسلآ ، وتبين من التقرير أن أكثر المخالفات شيوعآ تمثلت في الألفاظ السوقية والإيحاءات الجنسية ومشاهد العنف. أما الإعلانات فقد حافظت علي مستواها الثابت في السنوات الأخيرة من الترخص والابتذال والتسول والاستهانة بالمشاعر الإنسانية. والخلاصة أن الإعلام الهابط بات ظاهرة متكررة تتطلب مواجهة حاسمة من الدولة والمجتمع المدني...