صفوت زينهم يكتب... زفة المحمل في مصر المحروسة

29/08/2019 - 12:32:05

الشاعر.. صفوت زينهم الشاعر.. صفوت زينهم

بقلم الشاعر.. صفوت زينهم


فى شارع المعز قلب مصر المحروسة ترتدى المشربيات ثياب العيد المزخرفة بأعواد الحرير المقصب، وتسبح فى شوارع مصر المحروسة البيارق ذات الألوان البيضاء دلالة على التطهر، والأعلام ذات الألوان الخضراء دلالة على الجنة، وتتراقص البيارق والأعلام المزخرفة بصدف البحر وسلاسل كف مريم على إيقاعات الدفوف وتسابيح أهل الذكر وكأنها رقصة مولاوية معطرة ببخور المسك والعنبر.
وتتزين أعين أهل مصر المحروسة برؤية الكعبة المشرفة وبعض العبارات (حج مبرور وذنب مغفور) المنقوشة على حوائط البيوت.. إنها مصر المحروسة وهذا شعبها الطيب الذى تعطر قلبه بحُب الله وتزمزمت عيناه بمسك الحبيب والدعاء بزيارة النبي.
وفى شارع المعز وبجوار بين السورين هذا المكان الذى يربط بين القصر الشرقى والقصر الغربى للخليفة الفاطمى الذى تعوّد أن يخرج للعامة ويسير فوق الكوبرى الذى يعلو الخليج المصرى والواصل بين القصرين، وكان من عادة الخليفة الفاطمى ألا يخرج للناس إلا مرتين فى العام: ليلة رؤية هلال رمضان ويوم عاشوراء، وكان يخرج للعامة ملثمًا واضعًا الشال الأبيض على وجهه كعادة أهل الطوارق.
وبالقرب من حى التمبكشية وسبيل عبدالرحمن كتخدا يقع حى الخرنفش وسط شارع المعز وبجوار بيت القاضى وحمام السلطان وفى حى الخرنفش تقع دار كسوة الكعبة أو كما يسميها الحرافيش دار الخرنفش وقد تأسست هذه الدار عام 1233 هجرية وتم إنشاء مجموعة من الورش الصغيرة حولها لغزل ونسج الحرير وطلاء الخيوط بالذهب والفضة.
وكانت كسوة الكعبة تكسى بقماش فاخر اشتهر به أقباط مصر وهو قماش القباطى المصنوع فى مدينة الفيوم.
وكان الصناع المصريون أسطوات مصر يعملون طوال العام فى كسوة الكعبة وكانوا يضعون بجوارهم أطباق بها ماء ورد ليغسلوا كفوفهم من العرق حتى تصبح أصابعهم معطرة بماء الورد أثناء عملهم فى كسوة الكعبة وفى دار الخرنفش صنع العمال المصريون بئرًا صناعية ووضعوا فيها ماء زمزم من رحلات الحج السابقة ليغسلوا فيه القماش والخيوط والإبر وكل المعدات المستخدمة فى كسوة الكعبة حتى تخرج الكسوة من مصر المحروسة معطرة بماء زمزم وكانت الكسوة عبارة عن 8 أربطة بها 52 ثوبًا من القماش وستارة باب الكعبة وستارة باب التوبة وستارة باب سطح الكعبة وكيس مفتاح الكعبة وكسوة مقام إبراهيم عليه السلام.
وفى دار الخرنفش نجد نوعين من العمال عمال مختصة بصناعة كسوة الكعبة وعمال مختصة بصناعة الهودج أو المحمل وزخرفة الهيكل الخشبى وصناعة الحبال الغليظة والحزام المطلى بالذهب المنقوش عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله والقماش الأبيض الذى يوضع تحت الكسوة وصناعة صندوقين من الفضة المذهبة والمعطرة برائحة العنبر لوضع مصحفين داخلهما.
وهناك عمال آخرون يعملون طوال العام فى مناطق أخرى لخدمة زفة المحمل حيث تم تخصيص أسطبل كبير فى حى بولاق لتربية ورعاية الحمير والجمال المصاحبة للمحمل، وكانت هذه الحمير والجمال لا تخرج من الأسطبل إلا لمصاحبة المحمل لدرجة أن حرافيش مصر المحروسة كانوا يعتقدون أن المرأة العاقر إذا مر جمل المحمل من فوقها فتلك بشارة الإنجاب.
ولأن كلفة كسوة الكعبة كانت مرتفعة فقد أمر السلطان المملوكى الناصر محمد بن قلاوون بوقف خراج قريتين بالقليوبية قرية باسوس وقرية أبوالغيط للإنفاق على كسوة الكعبة ثم بعد ذلك تم وقف خراج 7 قرى أخرى وقد كان سلاطين مصر المملوكية يلقبون بخدام الحرمين الشريفين وفى عهد محمد على أصبحت كلفة كسوة الكعبة تخرج من خزينة الدولة التى آلت إليها كل الأوقاف.
وفى ميدان الرميلة ميدان القلعة حاليًا تقع دار إمارة الحج وبها 42 موظفًا من كبار رجال الدولة أمير الحج، الدوادار حامل دواة الحبر، قاضى المحمل، أمين الصرة وهو المسئول عن توزيع الأموال والثياب والحلوى على فقراء مكة، المحاملية ساسة الإبل، البيرقدارية وهم الجنود الذين يحملون البيارق والأعلام، مسئول توفير الطعام للرحلة وهناك مشرف المطبخ وخباز وطبيب وبيطار وأخيرًا مبشر الحاج.
وتبدأ زفة المحمل من أمام دار إمارة الحج بميدان الرميلة ويقف جمل المحامل حامل كسوة الكعبة فى المقدمة وخلفه هوادج الجمال التى تحمل الحجاج وخلفها الحمير التى تحمل على ظهورها المياه والطعام والثياب والأموال وتتناثر حول المحمل فرق الصوفية والتشريفة العسكرية وحملة الطبول والدفوف وحملة الرايات وحاملى البلطة (البلطجية) لتمهيد الطرق أثناء الرحلة.
ويخرج أهل مصر المحروسة للاحتفال بطلعة المحمل ويسير المحمل فى دروب وعطوف المحروسة مارًا بسكة المحجر والمغربلين والخيامية ثم يقطع شارع باب الوزير من تحت الربع ويدخل شارع المعز من باب زويلة إلى الغورية والعطارين والنحاسين والصاغة والتمبكشية ومرجوش ثم يخرج من باب الفتوح ليبدأ رحلته كعادة الجيوش المصرية التى تخرج من باب الفتوح وفى رحلة العودة تدخل من باب النصر منتصرة.
ومن الشواهد التاريخية أن أول من أرسل كسوة الكعبة هو تُبع الحميرى ملك اليمن عام 220 ميلادية قبل ظهور الإسلام وفى مصر القديمة كانت رحلة الحج تبدأ من مدينة «سو هج» ومعناها فى اللغة المصرية القديمة سوق الحجيج هذه المدينة المعروفة حاليًا بمحافظة سوهاج وأن كلمة كعبة هى كلمة مصرية قديمة (كابا) وكلمة حج هى كلمة مصرية قديمة بمعنى الضياء كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم (الحج ضياء) وقد كانت الكعبة موجودة قبل إبراهيم عليه السلام (ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم) وكان الأنبياء من بعد آدم إلى زمان إبراهيم يحجون ويطوفون حول الكعبة ثم تتوالى رحلات الحجيج من مصرالمحروسة ففى عهد الخليفة عمر بن الخطاب أمر الخليفة والى مصر عمرو بن العاص كساء الكعبة بنسيج القباطى المصرى لجودته وإتقان صنعته.
وعندما ذهبت السلطانة شجر الدر فى موكب للحج أمرت العمال المصريين أن يصنعوا لها هودجًا كبيرًا تجلس فيه أثناء الرحلة فصنع العمال هودجًا مربعًا تعلوه قبة كبيرة تجلس داخله، أما كسوة الكعبة فكانت داخل صناديق كبيرة تحملها الجمال وخلفها قافلة الحجاج ومن هنا جاءت تسمية رحلة كسوة الكعبة بطلعة المحمل، وبعد ذلك استحسن حرافيش مصر المحروسة لفظ زفة المحمل لأن يوم خروج المحمل من مصر المحروسة أشبه بيوم عُرس للمصريين.