د.صلاح هاشم يكتب... الفقير.. المواطن البهلوان!

23/03/2020 - 1:33:24

د.صلاح هاشم - ‏أستاذ التنمية والتخطيط - جامعة الفيوم د.صلاح هاشم - ‏أستاذ التنمية والتخطيط - جامعة الفيوم

بقلم... د.صلاح هاشم - ‏أستاذ التنمية والتخطيط - جامعة الفيوم


تتداول فى أدبيات التنمية العالمية كثيرة من المصطلحات المتعلقة بهموم وأوجاع البسطاء ومحدودي الدخل.. ومن أهم تلك المصطلحات مصطلح الحماية الاجتماعية الذى اعتبره بعض الأكاديميين العرب مفهوما مرادفا لمفهوم الرعاية الاجتماعية.. وحتى يلحقوا بالحديث من الكتابات العالمية -ويركبوا الموجة- اكتفوا فقط بتغيير أغلفة كتبهم القديمة!
ومن ثم فقد حوَلَوه من مصطلح علمي دقيق يمكن توصيفه والاستفادة به فى تطوير السياسات الاجتماعية ببلدانهم، والتى تستهدف بالأساس الحد من الفقر، إلى "سبوبة" قدموا من خلالها عشرات الكتب ومئات البحوث والدراسات!
وكل ما حدث هو استبدال مصطلح الرعاية الاجتماعية بمصطلح الحماية الاجتماعية.. مما جعل هذه الكتابات والدراسات منفصلة تماما عن الواقع، وغير متصلة فعليا بواقع التطور الذى حدث فى أدبيات السياسة الاجتماعية المستحدثة فى العالم. وإن اشتركوا فقط معها فى "العنوان"!
وأصبح كلُ مَن كتبَ سطرا أو أجرى دراسة بسيطة تناول فيها مصطلح الحماية الاجتماعية خبيرا أو مستشارا للحماية الاجتماعية.. مما جعل هذا الكتابات مجرد جهودا مهدرة، تم حبس نتائجها فى أدراج الأكاديميين، كما تم اعتقالها على أرفف مكتبات المؤسسات البحثية!
أما وزارة التضامن المصرية فقد كان لها رؤية مغايرة لمفهوم الحماية الاجتماعية.. خاصة وأنها منذ عام 1939 تقريبا – وهو العام الذى شهد إنشاء وزارة الشئون الاجتماعية المصرية- وهى تستخدم مصطلح الرعاية الاجتماعية، بالإضافة إلى استخدامها لمصطلح الضمان الاجتماعي..
وحين بدأ مصطلح الحماية الاجتماعية يلوح فى أفق المؤسسات الدولية الممولة وخاصة بعد 2011م بدأت وزارة التضامن فى استخدام المصطلح.. بل وبدأت الدولة المصرية تستخدم مصطلح شبكات الحماية الاجتماعية.. وكل ما فعلته الوزارة أنها اختزلت مفهوم الحماية الاجتماعية فى "جملة البرامج التى تقدم مساعدات مادية مؤقتة للأسر محدودة الدخل"..
بينما ربطت مفهوم الرعاية الاجتماعية بالمؤسسات.. وجعلت مفهوم الضمان الاجتماعي قاصراً على المعاش الشهري المبنى على العملاء المشتركين فيه..
وبرغم هذه الاختلافات الحادثة بين الأكاديميين والباحثين من ناحية، وبين وزارة التضامن الاجتماعي ومؤسساتها من ناحية أخرى.. إلا أن المؤسسات الدولية قد تبنت مفهوما مغايرا تماما سواء عما تبنيناه أو اختلفنا عليه فى مصر.. فالأمم المتحدة مثلاً عرفت الحماية الاجتماعية على أنها مصطلح مرادق تماما لمصطلح الضمان الاجتماعي..
وترى أنه إذا كان الضمان الاجتماعي ذاته يعد حقا من حقوق الإنسان -حسب ما ورد فى الوثيقة الدولية لحقوق الإنسان وحسب ترادف المصطلحين فى عقيدة الأمم المتحدة- فقد اعتبرت الحماية الاجتماعية حق من حقوق الإنسان!
وأضافت إلى أدبيات العمل الاجتماعي مصطلحاً جديدا هو "أرضيات الحماية الاجتماعية" وقصدت به جملة التشريعات التى تستهدف الحد من الفقر وتأمين عدم الوقوع فيه.. وهو مصطلح لم يتم تداوله حتى الآن فى أدبياتنا البحثية فى مصر أو حتى عربياً.. ولم يلق المفهوم اهتماما ملحوظا من صانعي السياسات فى حكومات دول العالم الثالث!
أما منظمة العمل الدولية والتى تعد من أولى المؤسسات الدولية التى استخدمت مفهوم الحماية الاجتماعية فقد اقتصرت على استخدام مصطلح الحماية الاجتماعية فى تأمين وضعية العمال الاجتماعية.. ولا سيما العاملين فى الوظائف والأعمال والمهن الهشة!
ربما كانت هذه المقدمة لازمة للدخول فيما أود طرحه فى هذا المقال وهو أن الحماية الاجتماعية هى مفهوم أعم وأشمل من كل هذه المصطلحات.. وأكبر من هذه التجاوزات والاختلافات.. فهو مصطلح طبقى له معنى واسع ومعنى ضيق والإتساع والتضييق مرتبط بالموارد المتاحة لتحقيق أهداف الحماية الاجتماعية..
وإذا كان المعنى الواسع للحماية الاجتماعية يكمن فى الحد من الفقر ومنع دخول مزيد من المواطنين إلى عالم الفقر الدمقع.. لتصبح الحماية الاجتماعية مفهوما مقابلا وليس مرادفا لمفهوم الحماية الاجتماعية.. فإذا كانت الرعاية الاجتماعية تستهدف تقليص أعداد الفقراء وإن كنت أتصور أنها فعليا تستهدف الحفاظ عليهم فى وضعية الفقر دون تحسن ملموس فى معيشتهم ودون تراجع..
فإن الحماية الاجتماعية تستهدف تثبيت نسبة الفقر عند 20% من السكان والعمل على زيادة نسبة الأغنياء، ثم زيادة نسبة الطبقة الوسطى فى الهرم الاجتماعى.. وأن زيادة أعداد الأغنياء وأبناء الطبقة الوسطى سوف يؤدى حتماً الى تراجع أعداد الفقراء..
إذا أثبت التجارب الدولية أن الدول التى عملت على الحد من الفقر من خلال تكريس الإهتمام وتقديم المساعدات على الفقراء فقط أو من هم دون خط الفقر، ضاربة بالموجودين فى الطبقة الوسطى عرض الحائط قد فشلت.. ولعل التجربة المصرية تعد نموذجا واقعيا لهذه السياسات.

ونكمل فى المقال القادم إن شاء الله