ابراهيم الصياد يكتب... الأخبار وتأملات في القرآن (( 2 ) )

19/05/2020 - 4:00:15

ابراهيم الصياد ابراهيم الصياد

بقلم.. ابراهيم الصياد


في الجزء الاول من هذه الدراسة قلنا ان كل نبأ ليس بالضرورة ان يصبح خبرا لكن كل خبر لابد ان يكون نبأً ما جعل القائم بإنتاج الأخبار يتعامل بالدرجة الأولى مع النبأ قبل الخبر ليس لانه الاهم كما يقول البعض ولكنه الجديد والاحدث في التسلسل الزمني لتطور الخبر والخبر الكاذب اذن ليس خبرا انما هو اقرب لمفهوم الشائعة .
نحن نقول عندما يقع حدث للتو انباء عن كذا وكذا ولا نقول اخبار عن كذا وكذا فمرحلة النبأ هي مرحلة التطور الطبيعي نحو الخبر ويحسمها بالنقل المراسل أو الوكالة من حيث الصدقية
ونقوم بحذف كلمة انباء ونتعامل مع الحدث نفسه .
ولهذا دعونا نتساءل هل طائر ( الهدهد) يعتبر أول مراسل في التاريخ البشري بمعناه الحديث corspondent؟
اي ذلك الوسيط او الشخص الذي ينقل الخبر من مكان الى اخر وفق قواعد الصدق والمهنية حيث جاء من سبأ في اليمن الى سيدنا سليمان في بيت المقدس في الشام بالخبر وهو النبأ اليقين حسب النص القرآني .
بعبارة اخرى ان النبأ ممكن ان يكون يقينا او لا يكون اذا كان يقينا فانه هو الخبر الصادق واذا كان غير يقين فهو ليس خبرا ويتطوَّر مصطلحُ اليقين داخلَ القواميس اللُّغوية ليفيد المعنى
1- العِلم وإزاحة الشكِّ، وتحقيق الأمر.
2- وفي كلام ربِّ العالمين: ﴿ وَإِنَّهُ لَحَقُّ اليقين﴾ [الحاقة: 51]،
3- وقوله تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ [الحجر: 99]؛ والشيء اليقينيي هو الحقيقي والمقصود به في الاية : حتى يأتيك الموت، الذي يعد الحقيقة التي لا جدال فيها !
إن الحقيقة حاول ان
ينقلها الهدهد لسيدنا سليمان فقال له : وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (النمل 22)
وماتقدم يؤكد ان القرآن الكريم أرسى قاعدة يتم العمل بها اليوم للالتزام بالصدق والمهنية في كل وسائل إلاعلام التي تتعامل مع الخبر و تستند الى قيمة الموضوعية أو objectivity .
ونجد ان هذه القيمة تقوم على محور التوازن وأقصد بالتوازن في الخطاب هو أن يذكر الأمر ونقيضه معاً في آية واحدة أحياناً ، أو في سياق من الآيات .
ما يعني العاملون في مجال الأخبار أنهم يسعون ايضا التوازن الموضوعي في عرض الخبر بما يحقق قيمة تسمى الحيادية أو Impartiality .
وإن كان الواقع العملي يؤكد ان الالتزام بالحيادية رهن بما تحتويه القصة الاخبارية فالوصف في النص القرآني للاحداث حتى يصل الى اقصى درجات التوضيح التزم بالحيادية كما في سورة الكهف في جولة سيدنا موسى عليه السلام مع العبد الصالح أما العبادات لا حيادية فيها لانها ثوابت مثل الصلاة والصوم والزكاة وكذلك المعاملات لاحيادية مع المناققين والظالمين والمشركين بالله .
على نفس المنوال عندما يتصل الخبر بثوابت مثل الوطن و الدفاع عن الشرف والعرض والانتماء للأرض نقول لا حديث هنا عن الحيادية !
أما عندما يتناول الخبر قضية لا تمس الثوابت مثل حدثا وقع في دولة بعيدة عنا هنا نؤكد ان من ضرورات العرض الموضوعي لابد ان تتوافر قيمة الحيادية .
بعبارة اخرى ما يتعلق بنا طبيعي ان ننحاز لوجهة نظرنا خبرا وتحليلا أما ما يتعلق بغيرنا خبرا او تحليلا لا انحياز فيه لطرف على حساب طرف اخر والا فقدنا عنصر التوازن في الخطاب الاعلامي !
ومن القران الكريم يمكن ان نحدد أربعة معايير للخبر :
اولا الخبر لابد ان يكون جديدا
إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ} [النمل : 7]
والجديد هنا هو حدث العثور على النار .
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (الكهف 68) اي ان العلم والمعرفة بالحدث شرط أساسي لمعرفة الجديد من الأخبار
ثانيا الخبر لا بد ان يكون غير عادي وهو ضرورة لاعتباره خبرا ويعد الخبر قي قصة الاسراء والمعراج اكبر دلالة على انه غير عادي .
ففي سورة الإسراء، يقول الله سبحانه وتعالى: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). صدق الله العظيم
ثالثا : لابد ان يكون الخبر مثيرا لاهتمام المتلقي ويحدثتا الخطاب القرآني في هذا الموضوع في قصة امراة العزيز مع سيدنا يوسف عليه السلام
وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (يوسف 23)
وكذلك تفسير سيدنا يوسف لحلم فرعون :
يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (يوسف 46) نلاحظ هنا درجة الاهتمام العالي بالحدث سواء كان الاول أو الثاني
رابعا لابد ان يكون الخبر عن جمهور المتلقين اي يجد المتابع نفسه فيما يعرض عليه من اخبار كما يقول الله سبحانه وتعالى :
يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (فاطر 15) صدق الله العظيم.
إيه توضح التوصيف السليم لعلاقة الانسان بخالقه وهي خطاب واضح يهم كل الناس !
خلاصة القول ان النص القرآني لم يترك كبيرة او صغيرة إلا وقد تناولها اوكما يقول الله سبحانه وتعالى:
وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدا
(الكهف 49)
وفي موضوع بحثنا هذا اضاء القران الكريم الطريق لمن انتهج الرسالة الاعلامية طريقا معبدا تتجاوب مع العقول وتتفاعل معه النفوس وترتقي الافكار الى درجة الادراك لما يحيط بالانسان من وقائع واحداث !