ابراهيم الصياد يكتب... الأخبار وتأملات في القرآن ( ١٦)

25/09/2020 - 9:22:00

ابراهيم الصياد ابراهيم الصياد

بقلم.. ابراهيم الصياد


الديانات السماوية هي رسالات تستهدف الارتقاء بوعي البشر وإذا كانت الرسالة الإعلامية لها الهدف نفسه فإن هناك إذن علاقة ارتباط بين الإعلام وقيم الاديان . 
ودعونا نترجم ما تقدم من خلال تأمل  ما قاله القرآن الكريم في هذا المعنى : 
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ . 
 سورة النحل  ايه (89) بتدبر الآية نعتقد أن بها  من اروع المعاني قوله تعالى ( شهيدا عليهم من أنفسهم) وهذا ما نراه في دور أو وظائف الإعلام . 
كيف ذلك ؟ أن الرسالة  تأتي من رحم المجتمع ومن صميم نسقه القيمي أليس هذا المعنى يظل متناغما مع قوله (عليهم من أنفسهم)  كما نتوقف عند كلمة ( تبيان ) في الاية نفسها هو اسم ويعتبر  
 فاعل من بانَ وهو أيضا 
 (اسم) 
مصدر بانَ و مشتق من كلمة ( البيان ) وفعلها ( بَين ) اي أوضح وأظهر واضافة التاء إلى بيان لتصبح تبيان يعني أن محركا خارجيا قام بالتوضيح وهو ما نطلق عليه الوسائط أو Media حيث أن الخبر او البيان يظل كذلك حتى ينقل للمتلقي عبر وسيط مرئي أو مسموع أو مطبوع أو اليكتروني . 
‌وهنا تتحقق اهداف الرسالة  الإعلامية وهي في التحليل الاخير (الارتقاء بوعي المتلقي)  من خلال إيقاظ مداركه واستيعابه لما يقدم له سواء كان خبرا او معلومة أو حتى طُرفه . وهنا تأتي فكرة أهمية تطوير المحتوى الاخباري والبرامجي في الوسائل الإعلامية بما يحقق الهدف المذكور! 
‌  ولا نتوقف عند هذا الحد فقط إنما نتطرق إلى مجالات اتصالية أخرى مثل الدراما والمنوعات والفنون عموما نرى أن  لها دورا كبيرا في بناء ملامح الشخصية لانها تخاطب فكرة القدوة والمثل الأعلى. 
‌ إذا كنا أمام  قدوة حسنة سيعود العمل باثر ايجابي على المتلقي وإذا كان قدوة سيئة سيعود باثر سيء على فكر ووعي المتلقي . 
‌ولابد أن نشير هنا إلى ما يعرف في علوم الاتصال ب الثقافة الإعلامية أو Media Literacy وغالبا ما تبدأ من الصغر وتقاس بدرجة تعرض الطفل أو النشء للمواد الإعلامية وهنا تبرز خطورة برامج وافلام الاطفال التي اعتبرها من أصعب البرامج في الإعداد وتفترض دراسة علم نفس الاطفال قبل دراسة الإعلام حيث اي خطأ في التنشئة سيؤثر على تكوين جيل بأكمله وتلك قضية تربوية لها حديث آخر  !
‌و يطرح الخطاب القرآني قضية مهنية  في منتهى الأهمية في مستهل سورة النبأ من خلال الآيات الخمس الأولى وهي الفرق بين النبأ والخبر  : 
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)
تناقش من وجهة نظري  هذه الآيات اربعة مفاهيم إعلامية : 
.... اولا التساؤل من خلال   البحث 
.... ثانيا  النبأ العظيم أو الخبر اليقين 
.... ثالثا  الاختلاف في الرآي والشكل 
.... رابعا  العلم والإستعلام 
لو دخلنا اي صالة اخبار News Room سنجد الاربع مهام  تبدأ بعملية  البحث للاختيار بين سيل وارد من الأخبار  News Flow وسنجد أن بعض الأخبار تسمى عاجله أو Breaking News 
وهي النبأ وقد يكون النبأ مهما أو عظيما . 
وسنجد اختلافات فيما يطرح من اخبار على مستوى المعالجة أو التحليل ومن هنا جاءت البرامج الحوارية واختلاف الفورمات اي الاشكال  . 
 ويبقى السؤال ماذا قدم النبأ الذي أصبح خبرا من جديد بما  يشكل معلومة يعرفها المتلقي للمرة الأولى ؟ 
إجابة السؤال تبقى رهنا بفهم معنى الخبر والنبأ . 
 النبأ يعتبر خبرا لكن  لم يعرفه أحد من قبل، وهو خبر صادق لا يوجد فيه موضع شك، وكما أوضحنا  جاءت كلمة نبأ في القرآن الكريم في عدة مواضع حيث جاءت في سورة النبأ حيث قال تعالى (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ)، وذلك يؤكد أن النبأ شيء عظيم أو خبر كبير، وقال   تعالى في كتابة الكريم (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).
والنبأ يستخدم عند الأشياء التي حدثت في الماضي ولم يعرفه أحد، فقد تم ذكره في الكثير من المواضع التي يذكر فيها الله قصص الانبياء السابقين، فقد قال الله تعالى (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، وقال تعالى (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ )، وقال تعالى في سورة النمل (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) .
النبأ على هذا النحو سابق للخبر ويجب أن يخضع كلاهما لمعايير الخبر بمعنى أن يقدم معلومة جديدة وغير عادي وملفت للأنظار ومثيرا ويهم كل الناس .