ما حقيقة غاز الأعصاب «نوفيتشوك» وأسباب عودة نافالني إلى موسكو؟

02/02/2021 - 5:00:11

تقرير - " أكرم كمال سريوي "


ما كادت الإدارة الأمريكية الجديدة تدخل عتبات البيت الأبيض، حتى بدأت التغييرات في العالم، فأُعلن عن إعادة النظر بقرارات الانسحاب العسكري من أفغانستان وسوريا والعراق. ثم فجأة عاد إلى موسكو المعارض الروسي اليكسي نافالني ، لتنطلق مظاهرات مؤيدة له في عدة مدن روسية. أمّا الأمر الأكثر غرابة، فهو أن تُعلن سفارة واشنطن في موسكو، عن خط سير تلك المظاهرات قبل انطلاقها بيوم كامل.

استدعى التشجيع الأمريكي للمظاهرات والاحتجاجات، استهجان وغضب السلطات الروسية، التي طلبت رسمياً من السفارة الأمريكية توضيح سبب دعمها الاحتجاجات، ونشرها خط مسار المظاهرات، المؤيدة لنافالني.



يرى بعض المراقبين أن الغرب يريد أن يكون أليكسي نافالني، بوريس يلتسن جديد، يتكفّل بتفكيك الاتحاد الروسي كما فعل يلتسن زمن الاتحاد السوفياتي .
فماذا عن حقيقة ذلك؟

في آب ٢٠٢٠ سافر نافالني إلى ألمانيا للعلاج، وهناك صدرت عدة تقارير تؤكد تعرّضه للتسمم، أثناء رحلته إلى مدينة تومسك في سيبيريا. ولقد تحدث التقرير بشكل مفصل عن تفاصيل العملية، فذكر أن وحدة FSB الخاصة التابعة لجهاز المخابرات الروسية قامت بتنفيذ العملية.

وذكر التقرير الذي نشرته صحيفة الأندبندنت البريطانية، أن ثلاثة أشخاص سافروا على نفس الرحلة التي استقلّها نافالني وزوجته، وهم خبراء في الطب وظفتهم الاستخبارات الروسية. وهناك قاموا بتسميم نافالني وزوجته بغاز الأعصاب السري «نوفيتشوك» . ولإضفاء المصداقية على التقرير ذكرت أسماءهم وأعمارهم وتفاصيل أُخرى أيضاً.

وكانت تقارير عديدة تحدثت عن غاز الأعصاب الروسي، الذي صنّعه السوفياتي في أواخر حقبة الثمانينات. وذكرت أنه أقوى بسبع مرات من أقوى غازات الأعصاب المعروفة في العالم، غاز VX الذي تكفي كمية ١/١٠٠٠ من الغرام منه لقتل أكثر من عشرة أشخاص.



وذكر تقرير آخر أيضا أن المنشق الروسي سيرجي سكريبال وابنته يوليا، تعرّضا عام ٢٠١٨ للتسمم أيضاً بغاز «نوفيتشوك» في لندن، وتم اتهام المخابرات الروسية بذلك.

ما هي حقيقة غاز «نوفيتشوك» ؟؟؟

بعد تفكك الاتحاد السوفياتي كَثُر عدد المدّعين امتلاك الأسرار السوفياتية، وغالبيتهم كان يحلم باللجوء والسفر إلى الغرب، وتقاضي بدل مادّي لتلك المعلومات. فقام فيل ميرزايانوف عام ١٩٩٣ بالتصريح للصحافة، أنه يملك معلومات عن تصنيع الاتحاد السوفياتي لأخطر غاز أعصاب في العام يُدعى «نوفيتشوك» ، وحينها تم توقيفه من قِبل السلطات الروسية، وبعدها سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٩٥، الدولة التي بذلت جهوداً كبيرة، لكشف حقيقة وجود وتركيبة هذا الغاز، ولم تصل تلك الجهود إلى نتيجة. ويعتقد معظم الخبراء خاصة الأمريكيين، أن كل الكلام عن هذا النوع من الغازات، هو من قبيل الدعاية، ولا وجود لمثل هذا الغاز في روسيا .

ولكن ماذا عن تقرير الصحافة الألمانية والبريطانية، الذي قيل أنه نقلاً عن أجهزة المخابرات، حول حادثتي التسمم لسكاريبال ونافالني بهذا الغاز ؟ .

إن التقارير تمت كتابتها بدقة وعناية فائقة، واستشهدت بعدد من الأسماء والدلائل، التي لا تترك لدى القارئ أي مجالٍ للشك بصحة الخبر. وشرح التقرير كيف يتّحد غاز الأعصاب داخل الجسم، مع أنزيم الأستيل كولين، فيُعطل عمله، مما يسبب الوفاة. ولعل هذه هي الحقيقة الوحيدة التي ذكرتها تلك التقارير.

ولكي نكتشف الحقيقة، سننتطرق إلى الحقائق العلمية، التي غابت عن بال الصحافيين، الذين ليس لديهم خبرة كافية حول عمل غازات الأعصاب، على ما يبدو.

أولاً : إن غاز الأعصاب يمتلك قدرة عالية على التطاير والتبخّر بسرعة، ولذا يكون تأثيره الأساسي عبر جهاز التنفس، أمّا التأثير عبر الجلد والجهاز الهضمي، فهو ثانوي جداً، ويُستعمل لهذه الغاية انواع أُخرى من الاسلحة الكيميائية، غير غازات الأعصاب.



ثانياً: لا يمكن لأحد استعمال غاز الأعصاب، إِلّا اذا كان يرتدي اللباس الواقي من الغازات. وهذا يعني أنه من الصعب جداً استعماله في أي مكان عام، لأنه من المستحيل السيطرة على انتشار الغاز ، وذلك سيؤدي حتماً إلى كشف الفاعلين، وموت عدد كبير من الموجودين في المكان، كما أولئك الذين سيتواجدون فيه، خلال مدة ساعة على الأقل بعد انتشار الغاز.

ثالثاً: إن غازات الأعصاب لها مفعول فوري، يبدأ بظهور الأعراض على المصاب خلال دقيقة إلى خمس دقائق. وعادة تحدث الوفاة بسرعة، اذا كانت الجرعة مميتة، وإذا لم تُتخذ الإجراءات العلاجية بسرعة.

رابعاً: ستظهر على المصاب بغاز الأعصاب العوارض التالية :

١- تضيُّق شديد في بؤبؤ العين يؤدي إلى عدم الرؤية.

٢- إحمرار في الوجه، وتعرّق، وزيادة الإفرازات من الأنف والفم، والقيء، والإسهال الشديد، إضافة إلى التبوّل والتبرّز اللإراديين.

٣- الشعور بالأختناق وعدم القدرة على التنفس، حتى الوصول إلى الموت.

٤- اختلال عمل الجهاز العصبي والعضلات، التي تبدأ بالانقباض والرفرفة، ثم تتطور إلى تقلّصات وتشنجات شديدة، ورجفان مستمر، يؤدي إلى توقف عضلات التنفس.

٥- إن أول أعضاء الجسم التي تتأثر بغاز الأعصاب هو المخ، ولهذا السبب سيعاني المصابون بغازات الأعصاب، لمدة طويلة بعد الإصابة (في حال شفائهم) من الأعراض التالية؛
- ضعف الذاكرة .
- عدم القدرة على التركيز.
- عدم الاتزان بالجسم.
- ضيق التنفس.
- ونوبات الم شديدة تُشبه حالات الصرع .

وهنا لا بد لنا من ناحية علمية طرح بعض الأسئلة.

١- كيف يمكن لمن يتعرض للإصابة بغاز «نوفيتشوك» (وهو الغاز الأخطر في العالم) أن ينجو، إذا كان استنشاق جزء لا يذكر منه، سيكون كافياً لقتل عدة أشخاص ؟

٢- اذا كانت المخابرات الروسية سممت فعلاً المعارض نافالني في مدينة تومسك، ثم تعرض لغيبوبة على الطائرة التي هبطت اضطرارياً في مدينة أومسك، وذهب أطباء من موسكو لمعالجته، ثم غادر بعد يومين إلى ألمانيا للعلاج، كما جاء في التقرير .

فيكون من البديهي طرح الأسئلة التالية أيضاً ؛
٣- كيف تمكّن نافالني من الصعود إلى الطائرة، إذا كان قد تعرّض للتسمم، بغاز له مفعول فوري، في المدينة أو حتى في المطار ؟
٤- من المؤكّد أن استخدام غاز الأعصاب، في المطار، أو على متن الطائرة، سيؤدي حتماً إلى كارثة، ووقوع عدد كبير من الإصابات، فكيف لم يُصب أحد آخر غير نافالني ؟


٥- لماذا أيضاً سُمح لنافالني بمغادرة البلاد، ولماذا لم يتم القضاء عليه قبل مغادرته إذا كان هدف المخابرات الروسية قتله؟ .

٦- هل فعلاً يمكن أن تقبل المخابرات الروسية بفشل عملية كهذه، ومن ثم تُعرّض نفسها للكشف بهذه البساطة؟

٧- هل عانى نافالني من الأعراض اللاحقة التي ذكرناها للإصابة بغاز الأعصاب ؟ مع العلم أن هذه الأعراض قد تمتد بالظهور على المصابين لمدة سنة أو أكثر.

السؤال الأهم من هذا كله، كيف يجرؤ نافالني على المخاطرة بالعودة إلى موسكو، إذا كان فعلاً قد تم تسميمه؟ وإذا كان متأكّداً أن السلطات الروسية تريد قتله؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات، بعد استلام الإدارة الأمريكية الجديدة ؟
ولماذا كل هذا الدعم له، من السفارة الأمريكية في موسكو ؟

لقد ألمح السفير الروسي السابق في لبنان الكسندر زاسبكين، في حديث للثائر منذ أيام، أن هناك رغبة لدى القوى الراديكالية في أمريكا، بتفكيك روسيا، وأنها ما زالت ترى فيها عدواً، وتسعى لمحاصرتها وإضعافها، وأن الإدارة الروسية، وإن كانت مستعدة للتعاون مع واشنطن لحل المسائل الخلافية، لكنها لا تنتظر الكثير من الإدارة الجديدة لبايدن.

يبدو أن ما قاله زاسبكين صحيحاً بنسبة عالية ، وبدأت علاماته بالظهور سريعاً، بدءاً من موسكو، وصولاً إلى عدة نقاط ساخنة في العالم.

أعتقد وبحكم خبرتي العسكرية في مجال الأسلحة الكيميائية، ومعرفتي الكبيرة بأنواع هذه الأسلحة الغربية وكذلك الروسية منها ، أنه لا وجود لغاز «نوفيتشوك» المزعوم ، وأنها كانت مجرد مزاعم استُخدمت للاستغلال السياسي، وإن يكن من الناحية العلمية، ليس صعباً أو مستحيلاً تصنيع «نوفيتشوك» أو غيره من قِبل المختبرات العلمية العسكرية المصنّعة للأسلحة الكيميائية. وإذا كان من الصعب تأكيد وجود غاز «نوفيتشوك» أو نفي ذلك بشكل قاطع، إِلَّا أنه
يمكن أن أجزم وبكل تأكيد، أنه إذا كان قد تم تسميم أليكسي نافالني أو سكريبال فعلاً ، فذلك لم يكن بغاز الأعصاب ، بل بمادة أُخرى ، وأن تلك التقارير الصحافية التي قرأناها، كتبها أناس لا خبرة لديهم بتلك الأسلحة ومفاعيلها، وهي تقارير من باب السبق الصحفي، والتوظيف الإعلامي لخدمة أغراض وأهداف سياسية ليس أكثر .

*** خبير عسكري في الوقاية من أسلحة الدمار الشامل( النووية والبيولوجية والكيميائية)