محمد شومان يكتب... الحياة في سبيل الله أسمى الأماني

08/02/2021 - 7:54:59

محمد شومان محمد شومان

بقلم... محمد شومان


تعودنا أن نسمع كثيرا عن الشهادة والموت في سبيل الله وما أعد الله لهؤلاء الذين اصطفاهم الله للشهادة في سبيله ، ولا شك أن للشهداء منزلة رفيعة لا تحتاج لمزيد بيان ، إلا أننا ربما أغفلنا الحديث عن الحياة في سبيل الله ، مع أن الحياة في سبيل الله أفضل وأصعب من الموت في سبيل الله يدلنا على ذلك ما رواه الإمام أحمد وغيره بسند صحيح عن أبي أمامة قال: أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوا، فأتيته فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة. فقال: " اللهم سلمهم وغنمهم ". قال: فغزونا فسلمنا وغنمنا. قال: ثم أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوا ثانيا، فأتيته فقلت: يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة. قال: " اللهم سلمهم وغنمهم ". قال: فغزونا فسلمنا وغنمنا. قال: ثم أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوا ثالثا، فأتيته فقلت: يا رسول الله، قد أتيتك تترى مرتين أسألك أن تدعو الله لي بالشهادة. فقلت: " اللهم سلمهم وغنمهم ". يا رسول الله، فادع الله لي بالشهادة. فقال: " اللهم سلمهم وغنمهم ". قال: فغزونا فسلمنا وغنمنا، ثم أتيته بعد ذلك فقلت: يا رسول الله، مرني بعمل آخذه عنك ينفعني الله به .... الحديث
فهذا أبو أمامة جاء حريصا على الشهادة ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له بالسلامة ، وبعبارة أخرى دعا له بالحياة ، ولكن أي حياة ؟ إنها الحياة في سبيل الله ، نعم ، وما ذاك إلا لأن الحياة في سبيل الله لا تقل شرفا عن الموت في سبيل الله، فهذا جهاد وهذا جهاد .
 ماذا قلت ؟ الحياة في سبيل الله جهاد ؟ 
نعم جهاد وقد تربو في كثير من الأحوال على القتال بالسيف ، وهنا نفهم القول المشهور على الألسنة ( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر )
 أكثر من هذا إن الله قدم الحياة في سبيله على القتال في سبيله وذلك في قوله تعالى{ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } 
فصناعة الحياة في سبيل الله معنى عظيم وسلوك قويم يجب أن يكون في صدارة أهدافنا إن لم يكن أسمى أمانينا، قال تعالى{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } فالحياة كلُّها ميدان لتحقيق سبيل الله .
وهذا المعنى يتجسد بكل وضوح في حياةَ سلفنا الصالح ، ولنتأمل هذه الصورة الرائعة للحياة في سبيل الله، روى الإمام مسلم وغيره عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح منكم اليوم صائما؟» قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا، قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا، قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟» قال أبو بكر رضي الله عنه : أنا، قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضا؟» قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، فقال رسول الله  : «ما اجتمعن في امرئ، إلا دخل الجنة» 
إن أبا بكر رضي الله عنه لم يكن وحده الذي قام بكل هذه الأشياء ، فهناك من شيع الجنازة ، وهناك من أطعم المسكين ، وهناك من عاد المريض ، إلا ان تميز أبي بكر أنه الوحيد الذي فعلها مجتمعة ، وكأنه بذلك يجعل كل لحظات حياته في سبيل الله .
ومن هنا نقول إذا كان الإسلام قد ضمن الحياة لمن مات في سبيل الله وأعلى مقامه ، فإن الحياة في سبيل الله هي الأصل بل إن المحافظة على الحياة هي الهدف من القتال ، فالموت في سبيل الله أو الشهادة ليست مقصودة لذاتها، ولذلك قرر علماؤنا أن الجهاد القتالي كله مشروع مشروعية الوسائل لا المقاصد ،  بمعنى ان القتال وسيلة لغاية أعظم منه ، تمامًا كما قال سبحانه: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) وبهذا نفهم عدم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أمامة بالشهادة .
وكما أكرم الله حمزة ومصعب وغيرهما بالموت في سبيله استبقى أبا بكر وعمر وغيرهما لبناء الدولة ونشر الدعوة وتحقيق المصالح الدينية والدنيوية لعامة الناس .
 ومن هنا علينا أن نعمل على أن تكون حياتنا كلها في سبيل الله ، وهذا أمر نقدر على تحقيقة بوسائل عدة منها :
تصحيح العقيدة وأداء ما فرض الله حياة في سبيل الله
أداء العمل المباح الحلال بإتقان وإخلاص حياة في سبيل الله
حسن تربية الأولاد وتنشئتهم تنشئة صالحة تخدم البلاد والعباد حياة في سبيل الله 
الإحسان إلى الزوجة والنفقة عليها ومعاملتها بالمعروف حياة في سبيل الله
احترام الزوجة لزوجها واهتمامها بشئون بيتها وأبنائها وزوجها حياة في سبيل الله
اجتهاد المدرس وتفانيه في نفع طلابه وإعطائهم المادة العلمية كاملة حياة في سبيل الله .
مذاكرة الطالب وحرصه على تحصيل دروسه والإلمام بها حياة في سبيل الله .
تفنن الباحث في يبحثه وإبداعه فيه بما يعود على بالنفع على الأوطان والعباد حياة في سبيل الله .
مرابطة رجال الأمن وحرصهم على توفير الأمن والأمان وحفظ ثغور الدولة حياة في سبيل الله .
وبعبارة أخرى جامعة أقول : إن الحياة في سبيل الله تشمل إلى جانب أداء العبادات المفروضة كل الأنشطة الدنيوية التي ينوي بها المسلم نصرة دينه وإعلاء كلمته ونفع إخوانه ورفعة أوطانه ، والله تعالى حين يقول {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ } فهذه الصالحات كما يقول الشيخ / محمد الغزالي رحمه الله - تصنعها إبرة الخياط وفأس الفلاح ودفتر المحاسب ومشرط الطبيب وقارورة الصيدلي يصنعها الطيار في جوه والغواص في بحره وصاحب كل حرفة ما دام ينوي بذلك إعزاز دينه ونفع أمته .
وبهذا يتبن لنا أن الحياة في سبيل الله أولى وأصعب من الموت في سبيل الله ، والعاقل الذي يعمل للقاء ربه يحرص على الحياة في سبيله اكثر من الحرص على الموت في سبيله ، فهو بهذا يصل لمرضاة ربه والسعادة في الدنيا والآخرة