اكرم سريوي يكتب... من إسرائيل إلى إيران... كيف وقع العرب في الفخ؟

12/02/2021 - 7:35:49

اكرم كمال سريوي - رئيس تحرير «الثائر» اللبنانية اكرم كمال سريوي - رئيس تحرير «الثائر» اللبنانية

بقلم... اكرم كمال سريوي - رئيس تحرير «الثائر» اللبنانية


منذ ١٤ أيار ١٩٤٨ عندما أعلن دافيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل، واجَهَ هذا الكيان المختلق مشاكل عديدة. فنسبة اليهود في فلسطين كانت أقل من ٣٠٪؜ لكن قرار الأمم المتحدة الرقم ١٨١ عام ١٩٤٧ الخاص بتقسيم فلسطين ، أعطاهم ٥٥٪؜ من الأراضي، مما دفع بهم إلى تنفيذ عمليات طرد وإبادة جماعية للفلسطينيين، أسفرت عن تدمير ٥٣٠ قرية فلسطينية، وتهجير أكثر من ٩٠٠ الف شخص إلى دول الجوار . وانتهت الحرب الغير متكافئة «نكبة ١٩٤٨»، بسبب التواطؤ البريطاني مع عصابات الهاغانا وتزويدها بالسلاح، إلى سيطرتهم على نصف أراضي الدولة الفلسطينية، فيما سيطر الاْردن على الضفة الغربية، وسيطرت مصر على قطاع غزة، وانتهت الحرب باتفاقيات الهدنة .
نجح اليهود بإنشاء إسرائيل بدعم دولي، لكنهم كانوا أمام تحدٍ آخر هو تثبيت واستمرار هذا الكيان، في ظل بيئة معادية لهم، تشعر بالمهانة، وبأن حقوقها مغتصبة، وتتحين الفرصة للثأر . وبلغت مخاوف الإسرائيليين ذروتها، مع سطوع نجم جمال عبد الناصر في مصر، وتنامي شعور القومية العربية.
نجح عبد الناصر في استمالة الجماهير. فهو الإشتراكي الخارج من صفوف العمال، والضابط الشجاع المستعد للموت فداء لوطنه ومبادئه، وعندما حاول الإخوان المسلمون اغتياله، وهو يلقي خطابه في ٢٦ اوكتوبر ١٩٥٤ واطلق عليه محمود عبد اللطيف الرصاص دون أن يصيبه، دب الذعر بين الجماهير، لكن صوت عبد الناصر ارتفع مدوياً بهذه العبارات الحماسية ، المملوءة بالرجولة والفداء فقال :
«فليبق كلٌ في مكانه أيها الرجال، فليبق كل في مكانه أيها الرجال، حياتي فداء لكم، دمي فداء لكم، سأعيش من أجلكم، وأموت من أجل حريتكم وشرفكم، إذا كان يجب أن يموت جمال عبد الناصر، يجب أن يكون كل واحد منكم جمال عبد الناصر، جمال عبد الناصر منكم ومستعد للتضحية بحياته من أجل البلاد»
منذ استلامه السلطة سعى عبد الناصر لتثبيت استقلال مصر، فركّز على تعزيز القوات المسلحة ، ثم كان أول الغيث إعلان تأميم قناة السويس عام ١٩٥٦ ، بعد أن رفض البنك الدولي بتحريض أمريكي بريطاني، متابعة تمويل بناء السد العالي. فتسبب ذلك بالعدوان الثلاثي على مصر، من قبل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، ولم يتوقف الهجوم لولا التهديد السوفياتي بدخوله الحرب مباشرة، إلى جانب مصر . ورغم الخسائر المادية، خرج عبد الناصر أكثر قوة وشعبية في تلك الحرب.
تحول عبد الناصر إلى رمز للعروبة والوطنية والتحرر، وشكّل زعامة عالمية في مواجهة الغرب والشرق، خاصة عام ١٩٦٤ بعد أن أصبح رئيساً لدول عدم الانحياز، وتحوّل معه كل مصري إلى بطل عربي، مقدّر ومحترم في كل أنحاء العالم. والأهم من ذلك أن اجتاحت نزعة القوة والفخر الناصرية، معظم أقطار العالم العربي، فأصبح العداء لإسرائيل شعاراً يرفعه كل عربي شريف، من المحيط إلى الخليج، لتتنامى معه نزعة القومية والوحدة العربية إلى مداها الأقصى.
هكذا تحوّل عبد الناصر إلى هدف لقوى متعددة في العالم، فشنت إسرائيل بدعم أمريكي، وغض نظر سوفياتي حربها عليه عام ١٩٦٧ لكسر هيبته والقضاء على أحلامه العروبية بالوحدة وتحرير فلسطين .
على الضفة الأخرى كانت العلاقات الإيرانية مع الغرب في وضع ممتاز. ولكن رغم الثروات العديدة، كان الشعب الإيراني يعاني فقراً مدقعاً، فراح يتلقّف خطابات إمام الفقراء، الزاهد الورع ، والمدافع عن حقوق الشعب، بشغف عظيم، فعمد الشاه إلى إبعاد الإمام الخميني إلى بغداد، ثم انتقل إلى فرنسا، ليقود من هناك حركة المعارضة ضد نظام الشاه .
في عام ١٩٧٨ تصاعدت المظاهرات الاحتجاجية في إيران ضد الشاه، وبدعم غربي أيضاً. فكانت إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، تروّج أن الشاه هو حاكم مستبد، وراحت تكشف جرائمه وانتهاكاته لحقوق الإنسان، ولم تهبّ لنجدته كما فعلت هي وبريطانيا، عندما نشب الخلاف بينه وبين الشخصية الوطنية رئيس الوزراء أنذاك محمد مصدق، الذي نجح عام ١٩٥١ بتمرير قانون في البرلمان، لتأميم الثروة النفطية، التي كانت تسيطر عليها بريطانيا. لكن الغرب نجح عام ١٩٥٣ بإزاحة مصدق بعملية أطلق عليها اسم «أجاكس» وتم تثبيت سلطة الشاه .
أصيب الشاه بمرض الغدد الليمفاوية ، وكان قد علم أن فرص بقائه في الحكم باتت معدومة، بعد عام من الاحتجاجات المتصاعدة، فغادر في ١٦ يناير (كانون الثاني) ١٩٧٩ إلى مصر بحجة العلاج، ليفسح بذلك المجال لانطلاق الثورة. فعاد آية الله الإمام الخميني إلى طهران في الأول من شهر فبراير (شباط) ١٩٧٩ واستقبلته حشود الملايين على طريق المطار، واستمر الصراع مع سلطة الشاه مدة عشرة أيام ، أعلن بعدها المجلس العسكري حياده، لينتهي بذلك حكم الشاه الهارب، ويعلن الإمام الخميني قيام الجمهورية الإسلامية في إيران في ١١يناير ١٩٧٩.
وفور انتصار الثورة، تم قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وتم تحويل سفارتها إلى سفارة لدولة فلسطين، ثم تم اقتحام السفارة الأمريكية، واحتجاز ٥٢ دبلوماسياً، وبدأت المطالبة بتسليم الشاه، الذي كان قد وصل إلى أمريكا عن طريق المكسيك، فاضطرت الولايات المتحدة الى الطلب إليه مغادرة البلاد، ليجد أمامه الأبواب مقفلة، فسافر إلى بانما، ثم عاد إلى مصر حيث توفي هناك.
كان كيسنجر قد تبوأ عام ١٩٧١ منصب وزير الخارجية الأمريكية. وهو يهودي مخضرم، ولد في ألمانيا عام ١٩٢٣، وسافر مع عائلته إلى أمريكا عام ١٩٣٨ ، وشارك في الحرب العالمية الثانية مع القوات الأمريكية، وعُيّن رقيباً في وحدة ملاحقة ضباط الغوستابو، كونه يجيد الألمانية بطلاقة .
لعب كيسنجر دوراً هاماً في حل عدة نزاعات في العالم، خاصة منذ عام ١٩٦٩ ، عندما أصبح مستشاراً للأمن القومي، ثم وزيراً للخارجية عام ١٩٧١ في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون. وكان كيسنجر عراب الاتفاقات العربية الإسرائيلية، بعد حرب الغفران في اوكتوبر ١٩٧٣. ولقد كُشف النقاب مؤخراً عن بعض الوثائق السرية والمعلومات، التي اعترف فيها كيسنجر ، أن الولايات المتحدةالأمريكية، علمت بعزم مصر وسوريا على شن الحرب، قبل بدئها ب ٢٤ ساعة، وتم نقل هذه المعلومات إلى الإسرائيليين
كانت استراتيجية كيسنجر الشرق أوسطية، تقوم على اعتبار، أن النصر الذي حققته مصر في الحرب ، يفتح باباً للتفاوض وقد يقبل بعده الرئيس السادات، بتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، ولولا هذا النصر كان يمكن أن يقوم في مصر نظام متطرف. والأمر الثاني كما قال كيسنجر، «أن الهامش الوجودي لإسرائيل، ضيق جداً» وبالتالي لا بد لها من الخروج من حالة العداء مع العرب.
وارتكز مفهوم كيسنجر الذي نسّقه مع القادة الإسرائيلين، إلى أمرين: الأول الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل وعدم السماح بهزيمتها، ومحاولة اقناع العرب بالتفاوض لابرام اتفاقات سلام، شرط تصفية منظمة التحرير الفلسطينية، وهذا الأمر تكفّل به الملك حسين، بدايةً في الأردن عام ١٩٧٠، ثم بوساطته مع الإسرائيليين وكيسنجر، للسماح للقوات السورية بالدخول إلى لبنان عام ١٩٧٥، محاولاً إقناعهم بأن ذلك سيحد من نفوذ منظمة التحرير . فسحبت سوريا ٢٥٠ دبابة عن جبهة الجولان، وأرسلتهم إلى لبنان، في رسالة طمأنة لإسرائيل، مع اتفاق بأن لا تتجاوز القوات السورية في انتشارها خط نهر الأولي جنوباً، وأن لا تُدخل صواريخ السام المضادة للطائرات إلى لبنان .
]لأمر الثاني البالغ الأهمية في استراتيجية كيسنجر، كان استبدال عداء العرب لإسرائيل بعداء آخر.
ونجحت أميركا وإسرائيل في ذلك . فخاض كيسنجر مفاوضات طويلة مع العراق، لأقناعه بالتطبيع مع أميركا وإسرائيل، ودفع به لشن الحرب على إيران، ليتحول اهتمام دول الخليج العربي إلى فارس، باعتبارها العدو الأقرب والأخطر.
ثم لاحقاً تم استكمال الخطة الأميركو-إسرائيلية، عبر تصفية منظمة التحرير الفلسطينية ،من خلال اجتياح القوات الإسرائيلية للبنان عام ١٩٨٢، وإخراج ياسر عرفات إلى تونس، ثم جلبه مكبّل اليدين إلى مفاوضات سلام موهوم، لم يحصل من خلاله، سوى على سلطة متناثرة، مقطّعة الأوصال، على جزيئات من أراضي فلسطين.
أما على المقلب الإيراني، فكان المطلوب الحفاظ على وجود النظام الشيعي في إيران.
فتم تقديم السلاح لها، وعقد جورج بوش الأب عندما كان نائباً للرئيس رونالد ريغان في ذلك الوقت، اتفاقاًلهذه الغاية، فاجتمع برئيس الوزراء الإيراني أبو الحسن بني صدر في باريس، وحضر هذا اللقاء أيضاً المندوب عن المخابرات الإسرائيلية الخارجية «الموساد» آري بن ميناش، الذي كان له دور رئيسي في نقل تلك الأسلحة من إسرائيل إلى إيران. وفي آب (أغسطس) من عام 1985، تم إرسال 96 صاروخاً من نوع «تاو» من إسرائيل إلى إيران على متن طائرة DC-8 انطلقت من إسرائيل ثم تلتها عدة رحلات أُخرى ، وهذا ما عُرف لاحقاً بفضيحة «إيران غيت».
عندما تنبه صدام حسين لحجم الخطأ الذي ارتكبه، بحربه على إيران، وأوقف تلك الحرب، كان قد تأخر ثمان سنوات، ليتورط بعدها باجتياح الكويت . وأوهمه الأمريكيون بأنهم لن يتدخلوا في الأمر، فوقع الاجتياح في اليوم التالي لاجتماع وزيرة خارجية أمريكا مادلين أولبريت بالرئيس العراقي حينها صدام حسين في بغداد. ثم كان ما نعرفه جميعاً، من تدمير للعراق والكويت، واستنزاف للأموال العربية، التي ذهبت هباءً منثوراً، ليبقى العراق والعرب غارقين في التخلف الاقتصادي، وثرواتهم مرهونة للغرب.
بعد أكثر من ١٤٠٠ عام على الانقسام الإسلامي السني الشيعي، تمكّنت إسرائيل والغرب، من إعادة هذا الشقاق والانقسام إلى داخل معظم الدول العربية. وتوهّم الشيعة والسنة، أنهم أعداء حقاً، وعلى طرفي نقيض. وبات الشعور الديني طاغياً، فأصبح انتماء الشيعة إلى الثورة الاسلامية الإيرانية، فوق إنتمائهم لعروبتهم، وأصبح الدعم الفارسي أجدى من التحالف العربي بالنسبة إليهم. وفي المقابل شعر السنة ودول الخليج خاصة، أن إيران هي الخطر الحقيقي الذي يهدد أمنهم، بما تملك من أسلحة متطورة، وبما تصدّر لهم من ثورة دينة تحولت إلى ميليشيات مسلّحة، تزعزع وحدة شعوبهم ودولهم.
هكذا تبدّل المشهد والأولويات ، فبات التطبيع مع إسرائيل، ورضى راعيتها الولايات المتحدة الأمريكية، حاجة ملحّة لطرفي النزاع، من المحيط إلى الخليج. فتنازل العرب عن القدس وتحرير فلسطين، ليتفرغوا لمخاصمة إيران، وبعضهم البعض، فوقعوا في المصيدة، وأطبق عليهم الفخ، فيما تلعب أمريكا وإسرائيل على تناقضاتهم، فتبيعهم السلاح، وتُحرض بعضهم على بعض، وتنهب ثرواتهم وأموالهم لتوظفها في تطوير مشاريعها الخاصة، وإحكام سيطرتها عليهم.