د.محمد السعيد إدريس يكتب... ترامب يبحث عن «مقاولة» للبقاء في سوريا !

11/04/2018 - 12:19:11

د.محمد السعيد إدريس د.محمد السعيد إدريس

بقلم... د.محمد السعيد إدريس



كما توقعنا، أحدثت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أوهايو الخميس (29/3/2018) التي أعلن فيها عزمه على سحب القوات الأمريكية من سوريا "في وقت قريب جداً" إرباكاً شديداً في أركان الإدارة الأمريكية وخاصة مجلس الأمن القومي ووزارتي الدفاع والخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية (سي. آي. إيه)، الأمر الذي فرض عقد اجتماع سريع لقادة هذه المؤسسات حضره الرئيس الأمريكي، كما فرض على ترامب التراجع عن عزمه سحب القوات الأمريكية من سوريا. كانت مشكلة قادة الإدارة الأمريكية هي البحث عن غطاء لتبرير قرار التراجع وعدم الإفصاح عن الأسباب والدوافع الحقيقية التي جعلت ترامب يتراجع عن حماسه الذي عبر عنه في أوهايو بسحب القوات الأمريكية من سوريا.




البيان التوضيحي الصادر عن اجتماع أركان الإدارة الأمريكية مع الرئيس الأمريكي تضمن هذا "الغطاء" كما عرضته سارة ساندرز المتحدثة باسم البيت الأبيض للصحفيين، وكان محوره أن "المهمة الأمريكية في سوريا لم تنته بعد"، والمهمة المقصودة هنا هي "الهزيمة الكاملة، لتنظيم (داعش)". فقد عاد البيت الأبيض ليركز، ربما للمرة الألف، على "شماعة داعش" لتبرير التدخل والوجود الأمريكي في سوريا. وفي محاولة لتخفيف وقع "الأكذوبة" حيث كان الرئيس الأمريكي قد أعلن الانتصار على "داعش"، منذ أكثر من شهرين، جاء بيان البيت الأبيض ليتحدث عن "وجود صغير" للتنظيم الإرهابي، ويرجع قرار التراجع عن سحب القوات لهذا السبب على نحو ما حاولت سارة ساندرز أن تبرر عندما قالت أن "الهدف هو حتماً هزيمة داعش، وما أن يتحقق هذا الأمر بالكامل - وقد أحرزنا تقدماً كبيراً على هذا الصعيد- وما أن تزول الحاجة إلى وجود قوات هناك ويصبح بمقدورنا نقل المسئوليات إلى القوات المحلية، عندها يمكن سحب القوات.




تفاصيل البيان تكشف عن "ركاكة" شديدة في صياغته كما تكشف عن حالة غير مسبوقة من الإرتباك فرضت نفسها على البيت الأبيض لإخفاء المبررات والدوافع الحقيقية لقرار التراجع كما عبرت عنها التعليقات المنقولة عن كل من الجنرال مايك بومبيو وزير الخارجية الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والجنرال جيمس ماتيس وزير الدفاع، وأيضاً الرئيس دونالد ترامب. فقد نصح بومبيو بشدة بعدم الانسحاب السريع من سوريا، واتفق معه وزير الدفاع جيمس ماتيس وغيره من كبار المسئولين الذين أكدوا أن الانسحاب الكامل من سوريا "يعني المغامرة بخسارة المكاسب التي حققتها الولايات المتحدة في قتال داعش".




وإذا كان جيمس ماتيس قد أوضح أن البنتاجون (وزارة الدفاع) يعمل على خفض القوات الأمريكية في سوريا، وأنه سيواصل القيام بذلك في محاولة لتبييض وجه الرئيس ترامب، وإظهار التزام الإدارة بقراراته، فإن ترامب لم يستطع إخفاء أسباب عزمه على الانسحاب من سوريا، ولا دوافع تراجعه عن هذا القرار.




كان الواضح تماماً أن ترامب يبحث عن "مقاولة" جديدة في سوريا. فهو باعتباره رجل صفقات لا يقبل التمييز بين عالم المقاولات وعالم السياسة "كان يريد البحث عن ممول" ليس فقط لدفع تكاليف بقاء القوات الأمريكية ولكن أيضاً لجني المكاسب المأمولة"، لذلك أبدى موافقته المبدئية في الاجتماع على إبقاء القوات الأمريكية في سوريا لفترة أطول على أن تقوم دول أخرى بالمنطقة بالمساعدة في ضمان هزيمة "داعش" وتمويل برامج إعادة الإعمار.




الأمر المؤكد أن تراجع ترامب عن قراره بسحب القوات جاء بعد الحصول على وعود موثوقة ومغرية بالتزامات من جانب أطراف بالمنطقة لها مصلحة في الإبقاء على القوات الأمريكية في سوريا لتمويل عملية بقاء تلك القوات حيث كشفت مصادر إعلامية عن أن الرئيس تحدث مع زعماء في المنطقة لحثهم على المساهمة بمبلغ 4 مليارات دولار لإعادة الأعمار في سوريا. هذه المعلومات تفرض إعادة طرح سؤال مهم له علاقة بقرار ترامب أو إعلان عزمه على سحب قواته من سوريا وهو: هل كان ترامب يناور بهذا الإعلان منذ البداية للحصول على "مقاولة" تمويل بقاء القوات الأمريكية في سوريا، أم كان جاداً في عزمه الانسحاب دون اعتبار للحسابات الإستراتيجية؟




لو تذكرنا الجزء الثاني من تصريحات ترامب في أوهايو التي أعلن فيها عزمه على سحب القوات الأمريكية من سوريا لتأكدنا أنه كان يناور ولم يكن جاداً، وأنه كان يريد ترهيب أصدقائه في المنطقة بإعلان نيته على الانسحاب ويتركهم لإيران و"حزب الله" وبشار الأسد في سوريا، فقد تحدث ترامب في أوهايو أيضاً عن الـ 7 تريليونات دولار التي أنفقتها بلاده على الشرق الأوسط دون أن تحقق مكاسب، ما يعني أنه كان يبحث عن المكاسب قبل كل شئ، وأنه عاد إلى النهج الأمريكي التقليدي باختلاق الفزاعات لترهيب الأصدقاء وترويعهم لإجبارهم على "الدفع" وهذا النهج سبق أن فضحه آرييل شارون رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق عندما قرر أن يتمرد على الأمريكيين ويطالبهم بدفع "فارق الفاتورة".




فقد اعتادت الولايات المتحدة منذ عدوان يونيو 1967 على توظيف إسرائيل كـ "فزاعة" للعرب، كانت تشجع الإسرائيليين على العدوان، وكان العرب يتجهون إليها طلباً لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وكانت هي تحصل دائماً على الثمن الباهظ لهذا الدور. شارون الذي اكتشف ضخامة الفاتورة التي تحصل عليها أمريكا بعد كل عدوان إسرائيلي على العرب تمرد على واشنطن وطالب بأن تحصل إسرائيل على نصيب أكبر من الصفقات. وامتد النهج الأمريكي بخلق الأعداء للعرب لإجبارهم على الدفع النقدي وشراء صفقات السلاح، لم تعد إسرائيل وحدها، بل الإرهاب، وأخيراً إيران وهذا ما أغرى ترامب على أن يتمادى في ابتزاز من لهم مصلحة في التصدي لإيران في سوريا.




وإذا كان ترامب قد اقتنع بالمقاولة الجديدة التي سيحصل عليها جراء إبقاء قواته في سوريا لمنع التمدد الإيراني، فإن أركان الإدارة الأمريكية كانت لهم أسباب أخرى، شديدة الأهمية بالطبع، للضغط على ترامب للتراجع، حيث كانت أعين قادة الإدارة موجهة صوب العاصمة التركية أنقرة ومتابعة نتائج القمة الثلاثية بين رؤساء روسيا وإيران وتركيا،