محمد يوسف العزيزي يكتب... الاحتجاجات .. القرارات وفروق التوقيت !

11/12/2018 - 12:08:49

محمد يوسف العزيزي محمد يوسف العزيزي

بقلم... محمد يوسف العزيزي



مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات الشعبية المعروفة إعلاميا بـ ( أصحاب السترات الصفراء ) في فرنسا ، وانتقالها إلي بعض الدول الأوروبية الأخري مثل بلجيكا وهولندا حتي كتابة هذه السطور ، أظن – وليس كل الظن إثم - أن الصورة تشير بوضوح إلي أن ما يحدث في بعض دول أوروبا هو تكرار لسيناريو ومشاهد حدثت – وما زالت تحدث – في منطقتنا العربية تحت ما سُمي بالربيع العربي حينذاك ، والذي تحول بنتائجه الكارثية علي دول المنطقة إلي ربيع عبري بامتياز !




وبعيدا عن المؤامرة التي تحولت من نظرية إلي واقع لا تخطئه عين مُبصرة ، وبعيدا عن كل التحليلات والتأويلات التي يطلقها أصحاب الرأي والخبرة ، وبعيدا عن مشاعر الشماتة التي يبديها البعض أو مشاعر الحزن من حرق وتدمير وتخريب للممتلكات العامة والخاصة ، وتشويه الصورة الحضارية لإنجاز البشر الذي حدث ويحدث في أي احتجاجات في أي مكان ، وبعيدا عن الغرق في تفاصيل ما يحدث من تدخلات خارجية من بعض الدول ، وما يشاع عن تصفية حسابات بين الرؤساء نتيجة مواقف متقاطعة حول قضايا دولية .. الخ .. فإن بعض الاحتجاجات لها أسباب ودوافع موضوعية لا يمكن تجاهلها ، وبعيدا عن كل ذلك تعالوا نفترض سيناريو آخر كان يمكن أن يحدث ويجنبنا كل هذا لولا السقوط في فخ ( القرار وفرق التوقيت ) .




في ثورات الربيع العبري - باعتبار أن المستفيد الوحيد مما حدث هو الكيان الصهيوني - التي اشتعلت بالمنطقة كان القرار وفرق التوقيت هو القاسم المشترك الأعظم في كل الخراب والدمار الذي لحق بمفهوم الدولة الوطنية وحولها إلي أشلاء متناثرة وطوائف متناحرة تقاتل بعضها بعضا ، وصرنا نسمع عن تحرير قرية صغيرة من قبضة داعش أو النصرة أو الجيش الحر في سوريا ، وعن استرداد قطاع صغير في ميناء أو مدينة في اليمن ، وعن عودة السيطرة علي بئر نفط في ليبيا ، وعن طرد إرهابيين من مدينة وتطهيرها منهم ، وعن عودة نازحين إلي بيوتهم المهدمة في مدينة في محافظة ، وعن تشغيل جزئي لمطار في شبه دولة كانت من قبل دولة ذات سيادة وقدرة علي الفعل ، وغير ذلك من مشاهد وصور تحولت فيها الدولة الوطنية إلي أجزاء كل جزء منها يبحث عن هويته الوطنية ، وكل حي في مدينة يبحث سكانه عن ممر آمن للوصول إلي حي آخر لقضاء مصلحة أو معاملة أو إنجاز عمل !




كان اللافت في كل ما حدث في منطقتنا هو توقيت القرار في ظرف لا يجب فيه التباظؤ في اتخاذ ، ولا يجب أن يكون رد الفعل هو الاستعلاء أو الاستهانة أو الصمت علي ما يحدث .. حتي في فرنسا وبعض الدول المرشحة لهذه الموجة ..




في 25 يناير .. لو تصورنا أن مبارك قرر يوم 26 أو 27 يناير - بعد قراءة أمينة للموقف – إقالة وزير الداخلية أو تغيير الوزارة كلها وحل البرلمان المزور واستجاب لمطالب المحتجين المشروعة .. هل كانت عناصر المؤامرة تكتمل أو تجد المبرر لركوب الاحتجاجات وتغير مسارها ؟ هل كان سقف المطالب سيرتفع إلي حد اسقاط النظام ثم إسقاط الدولة بفعل من ركبوها ؟




في تونس التي بدأت بها الاحتجاجات قبل مصر .. ماذا لو استجاب زين العابدين بن علي لمطالب المحتجين فيما يتعلق بالشغل والفساد وعالج آثار حرق بوعزيزي لنفسه محتجا علي الأوضاع .. قبل أن يتأخر ليخرج بعد فوات الأوان ليقول ( فهمت عليكم ) ؟ وماذا لو لم نقل ( مصر مش تونس ) وقرأنا الدرس جيدا ؟




وفي ليبيا .. هل أفادت خطب القذافي من حصنه وهو يقول : من أنتم .. وزنقة زنقة .. دون أن يلتقط الرسالة ويحقق مطلب واحد للمحتجين قبل أن يتحول الوضع إلي الفوضي ؟




وفي اليمن وفي سوريا وحاليا في فرنسا وفي الأيام القادمة في دول أوروبية أخري .. ماذا لو انتبه من قامت ضدهم الاحتجاجات وتفحصوا الموقف جيدا وبسرعة وقاموا برد فعل صحيح وباهتمام مناسب .. هل كان أصحاب الأجندات يجدون الفرصة لتنفيذ أجنداتهم .. ؟ وهل كان أصحاب المؤامرة وجدوا ضالتهم في الفوضي التي وقعت لتنفيذ أهدافهم ؟




الخطر في كل الاحتجاجات التي تقع يكمن في عشوائيتها ، وأنها تظل بلا قيادة واعية أو برنامج واضح حتي تصل إلي نقطة اللاعودة عندما يرتفع سقف مطالبها .. وعند هذه النقطة يركبها ويسيطر عليها أصحاب المصالح والأهداف غير الوطنية للقفز علي السلطة ، وإن لم يستطيعوا يعملون علي هدم الدولة الوطنية وإسقاطها ليصعب بعد ذلك عودتها وتظل رهينة من أسقطوها !




في النهاية فإن الدرس المستفاد هو أن الشعوب هي من تدفع الثمن ، وأكثر من يدفع الثمن من الشعوب هم الطبقة الكادحة التي تتحمل أعباء إصلاح ما حدث من تخريب وتدمير وخسائر ، والدرس المهم هو أن نتعلم مما حدث وأن نقرأ ما فيه جيدا وندرك بوعي من الذي دفع الثمن وما زال ، والدرس الأهم أن ضياع الوطن وغياب الأمان لا يعوضهما شيء في الدنيا .. أما الحكمة فهي القرار المناسب في الوقت المناسب في الظرف المناسب ، وأن الانحياز للأغلبية هو طوق النجاة .. والله من وراء القصد