د..مصطفى شاهين يكتب : فلسفة إيمان النبي للمؤمنين

10/09/2020 - 2:16:21

د. مصطفى شاهين د. مصطفى شاهين

بقلم... د. مصطفى شاهين


    * (يؤمن للمؤمنين)، قول إلهي فكرت كثيرا فيه؛ لأجل فهم عصري مقنع لهذا القول الإلهي عن سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه (يؤمن للمؤمنين) . وهو جزء من الآية القرآنية : ( ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أُذُن، قل أُذُن خير لكم، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين، ورحمة للذين آمنوا منكم. والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم)  سورة التوبة : آية 61
* وتساءلت: هل فعل ( يؤمن ) هنا خاص بالإيمان (العقدي) أم هو خاص بالتصديق (القولي) ؟! بمعنى هل النبي صلى الله عليه وآله وسلم - وفق هذا الإيمان الذي أثبته الله له - يؤمن للمؤمنين كبديل عنهم، أم يؤمن لهم كمقدمة شرط لإيمانهم، أم يؤمن لهم لأجل إتمام إيمانهم؟! أم أن فعل الإيمان النبوي في هذا المقام خاص بمجرد التصديق للمؤمنين في عصره عندما كانوا يحدثونه، فيقبل منهم قولهم ولا يكذبهم ؟! وكيف يكون حالنا نحن المؤمنون المعاصرون والنبي ليس بيننا بذاته الشريفة ؟! فمن يؤمن لنا الآن ؟! هل يمكن أن يقوم أحد - إمام أو أمير أو شيخ طريقة من أهل البيت أو أستاذ - من المؤمنين المعاصرين لنا بهذا الدور الإيماني ؟! أم أن هذه القضية كلها تعد (تاريخية في الإيمان) ، وانتهى دورها بانتهاء حياة النبي بين المؤمنين الأولين؟!
* قبل محاولة الإجابة على كل ذلك وبيان (فلسفة إيمان النبي للمؤمنين) نقول : إذا كان وجود كلمة ( فلسفة ) في عنوان المقالة لا يريحك، ضَع مكانها كلمة ( حكمة ) وأرح نفسك. فما الفلسفة إلا محبة حكمة أحببت أن تعلنها للناس فأعلنتها، فصار حبك لها وإعلانها، لا ينفصل عنها، فأُجملت الحكمة ومحبتها في كلمة فلسفة. وهكذا كل أمر علمي أو فكري أو تديني أو حياتي يُلحق بالفلسفة.
* وننظر أولا في أقوال بعض المفسرين لقوله تعالى ( ويؤمن للمؤمنين)، فنجد ابن جرير الطبري في (جامع البيان) يقول ( ويؤمن للمؤمنين: يعني ويصدق المؤمنين، لا الكافرين ولا المنافقين. وهذا تكذيب من الله للمنافقين الذين قالوا: محمد أذن! ، يقول جل ثناؤه: إنما محمد صلى الله عليه وآله وسلم مستمعُ خيرٍ، يصدِّق بالله وبما جاءه من عنده، ويصدق المؤمنين، لا أهل النفاق والكفر بالله. وقيل: ويؤمن للمؤمنين ، معناه: ويؤمّن المؤمنين، لأن العرب تقول فيما ذكر لنا عنها: "آمنتُ له وآمنتُه" بمعنى: صدّقته) . وروي الطبري أن عبد الله بن عباس أنه قال ويؤمن للمؤمنين، يعني ويصدّق المؤمنين، يعني فيما يخبرونه به. وبهذا التفسير قال ابن كثير في تفسير القرآن العظيم. والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن. والبغوي في معالم التنزيل. وابن الجوزي في زاد المسير.
* لكن الثعلبي في (الكشف والبيان) ذكر لنا معنى آخر وهو : (يؤمن للمؤمنين أي يعلمهم) . وهذا المعنى يعطينا بعدا جديدا في ضرورات الإيمان، بعدا تعليميا وليس فقط تصديقيا لدور إيمان النبي في حياة المؤمنين.
* ويوضح لنا صديق حسن خان في (تفسير فتح البيان) سبب تصديق النبي للمؤمنين بقوله: (ويصدق المؤمنين لما علم فيهم من خلوص الإيمان، ويقبل قولهم، ويسلم ويرضى لهم)؛ ولذلك فإيمانه لهم بمعنى تصديقه إياهم فيما يقولون مرهون بمعرفته منهم إخلاصهم في إيمانهم. إذن هو تصديق إيماني في مقابل إخلاص إيماني
* ويظهر أن الألوسي في تفسيره (روح المعاني ) قد استشعر شيئا من الإشكال في تفسير (ويؤمن للمؤمنين) بمعنى مجرد التصديق للمؤمنين بخلوصهم في الإيمان فقال : (والظّاهِرُ أنَّ هَذا مُنْدَرِجٌ في حَيِّزِ التَّفْسِيرِ لَكِنَّ الغالِبَ مِنَ المُفَسِّرِينَ لَمْ يُبَيِّنُوا وجْهَهُ كَوْنَهُ صِفَةَ خَيْرٍ لِلْمُخاطَبِينَ، نَعَمْ قالَ مَوْلانا الشِّهابُ: إنَّ المَعْنى هو أُذُنُ خَيْرٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تَعالى ودَلائِلَهُ فَيُصَدِّقُها ويَسْمَعُ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ فَيُسَلِّمُهُ لَهم ويُصَدِّقُهم بِهِ، وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُنافِقِينَ أُذُنُ شَرٍّ يَسْمَعُونَ آياتِ اللَّهِ تَعالى ولا يَنْتَفِعُونَ بِها ويَسْمَعُونَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ ولا يَقْبَلُونَهُ، وأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَسْمَعُ قَوْلَهم إلّا شَفَقَةً عَلَيْهِمْ لا أنَّهُ يَقْبَلُهُ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما زَعَمُوا، وبِهَذا يَصِحُّ وجْهُ التَّفْسِيرِ ، فَتَدَبَّرْ ) . وهكذا أراد الألوسي توضيح أن هذا الأمر الإيماني الإلهي للنبي هو خير للمؤمنين، في قضية إيمانهم، وليس في قضية أقوالهم. وهو ملمح تفسيري مقبول من الألوسي
* ويأخذنا فخر الدين الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب ) إلى معنى توافقي أو جمعي في تصديق النبي للمؤمنين فيقول (فالمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّمُ لِلْمُؤْمِنِينَ قَوْلَهم، والمَعْنى: أنَّهم إذا تَوافَقُوا عَلى قَوْلٍ واحِدٍ، سَلَّمَ لَهم ذَلِكَ القَوْلَ، وهَذا يُنافِي كَوْنَهُ سَلِيمَ القَلْبِ سَرِيعَ الِاغْتِرارِ). وهنا يشترط الرازي مبدأ التوافق بينهم على القول؛ حتى يؤمن لهم النبي بصدقهم فيما يخبروه . والتوافق بينهم أمر احترازي وضعه الرازي لمنع مظنة الخطأ في كلام البعض أو الفرد. وهذا مسلك عقلي مهم لمتكلم أشعري وفق بين العقل والنقل.
* وبعد عرضنا السابق لكثير من أقوال المفسرين لإيمان النبي للمؤمنين، يمكننا القول: إنه مع احترامنا وتقديرنا لآراء كثير من ساداتنا المفسرين الذين يفسرون ( يؤمن للمؤمنين) بمعنى يصدقهم، فإن الأمر هنا لم يكن متعلقا بما يصدر عن المؤمنين يصدقون فيه أم لا ، فيصدقهم النبي أم لا، ولم يكونوا بعكس ما قاله أبناء يعقوب لأبيهم (وما أنت بمؤمن لنا )، أي ما أنت بمصدق لنا، إنما الأمر كان متعلقا بما فيه مصلحتهم الإيمانية، أي بما يثبت إيمانهم ويصلحه ويقويه ؛ ولذلك جاء الكلام الإلهي عن أن النبي يؤمن للمؤمنين بعد الكلام الإلهي عن أن النبي يؤمن بالله؛ فهو صلى الله عليه وآله وسلم يؤمن بالله، ويجعل هذا الإيمان بالله لأجل المؤمنين بكل معاني الغاية النبيلة. فلولا إيمان النبي بالله أساسا، لما كان إيمان المؤمنين بالله أصلا. لقد كان إيمانهم موصولا بإيمانه، بل كان مؤسسا عليه، ومستمرا به.
* إنه كما أن المعلم قد تعلم لطلابه؛ أي لأجل أن يعلم طلابه، وكما أن الأب أحسن أبوته لأجل أبنائه، والأم أتقنت أمومتها لأجل أبنائها، فإن النبي صلى عليه وآله وسلم آمن بالله وآمن للمؤمنين؛ فجعل إيمانه لأجل المؤمنين. وفي ذلك عمل جليل ومعنى نبيل. قد كان من آثاره صدقهم معه حين تحدثوا إليه، فصدقهم لصدقهم معه. لكن الأصل أنه جعل إيمانه لأجل إيمانهم؛ فأوقفوا إيمانهم على إيمانه، فكان الاطمئنان التام لهم وعدم توقع مجرد التفكير في الإيذاء منهم، فضلا عن محاولة ذلك. بعكس المنافقين الذين آذوا النبي لفظيا معنويا بزعمهم أنه أُذن شر، فكذبهم الله بقوله إنه صلى الله عليه وآله أذُن خير للمؤمنين، يسمع لهم ما ينفع إيمانهم، وإذ أخلصوا فيه، صدّق أقوالهم في تعبيراتهم عن هذا الإيمان. كمثل حديث (حنظلة) مع النبي، عن تقلب حاله الإيماني.
* وإذا كان المؤمنون الأولون قد سبقت لهم الحسنى الإيمانية بوجود النبي بينهم  (يؤمن للمؤمنين) ، فمن يؤمن لنا في عصرنا ؟! مَن هذا (المؤمن الخالص)، المؤمن الذي كله لله، الذي يوقف إيمانه لأجل إيماننا، تثبيتا وتجديدا وتعليما وتوضيحا؟! أم أن أمر الإيمان صار من الوضوح لدينا بحيث لم نعد نحتاج مثل هذا الرجل الإيماني العصري؟! لعلني أجيب فأقول : اقرأ في صفة إيمان النبي، كيف كان واضحا سهلا عميقا، لم يكتنفه (تعقيد الفكر العقدي) الذي حدث لدى كل فرقي جماعاتي قديم أو معاصر. اقرأ عن هذا الإيمان النبوي، فلعله يصبك من جمال حلاوته في إيمانك المعاصر ما أصاب المؤمنين الأولين من الحلاوة في إيمانهم القديم الأصيل
* وأخطر ما في هذا المقام أن كثيرا من أمراء الجماعات الإسلامية ومشايخ الطرق الصوفية يضعون أنفسهم في مقام ( يؤمن للمؤمنين)، بزعم أنهم قيمون على الإسلام في مقام النبي، وأنهم سلالة آل بيت النبي. فمن يحكمون بإيمانه فهو المؤمن، ومن يكفرونه فلا إيمان له ولا إسلام. ومن يصدّقونه فهو الصادق، ومن يكذّبونه فهو الكذوب الذي لا يجب أن يصدقه أحد. وهذا افتراء منهم. فليس بعد النبي أحد يحكم على إيمان أحد.
* وأخيرا نطرح هذا السؤال عليك أيها (المؤمن المعاصر ) : هل لو أن النبي كان بيننا الآن، هل كان (يؤمن لك) ، على حالك الذي أنت فيه الآن ؟! وهل أنت أدرى بحالك من خلوص الإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقضاء والقدر؟! وهل توقّع إيمانك هذا على أرض الواقع فينتج أثره الطيب فيك وفي غيرك؟!