رغم أنني كنت قد توقفت عن الكتابة منذ فترة كبيرة, أحسست خلالها بفقدان الشهية والدافعية واللياقة الذهنية للكتابة, الا أن ما يحدث علي الساحة الرياضية إدارياً وإعلامياً وخاصة في منظومة كرة القدم المصرية قد استفزني لكتابة هذا المقال بعد حالة الفوضي والتدني التي تفشت في كثير من منابر الإعلام الرياضي وحولتها الي ما يشبه مصاطب للردح والإثارة وتغذية روح التعصب والكراهية بين الجماهير دونما إدراك لقيم الرسالة الإعلامية أو المسئولية الوطنية, بل وصل الأمر ببعض هؤلاء أن يقوموا بإستعداء جماهير إحدي الدول العربية الشقيقة والوقيعة بينهم وبين أشقائهم المصريين بسبب واقعة فردية داخل ملعب كرة, واقعة يلفظها ويرفضها الجميع ويجب معاقبة وردع أطرافها, لكن في نفس الوقت فإته نوع من الشطط والسفه محاولة البعض الزج بها خارج إطارها الرياضي, ورغم كل ذلك يجب علينا أن نعي وندرك وننتبه إلي أن ما يحدث هو ناتج طبيعي لغياب الرقابة والردع واختلال معايير المحاسبة.
يا سادة مصر دولة كبيرة, غنية يالكفاءات والمواهب, وصاحبة حضارة ضاربة في أعماق التاريخ, فلا يليق بنا أبداً ونحن نسعي لبناء “الجمهورية الجديدة” التي تقوم ركائزها علي العدالة الإجتماعية والحداثة والتنمية المستدامة, ومواكبة أحدث طفرات التطور التكنولوجي والذكاء الإصطناعي, أن نترك هذا المشهد العبثي والهزلي في الإعلام الرياضي.
وهنا لابد أن نؤكد أن الواقعة الأخيرة التي تمثلت في قيام لاعب النادي “الأهلي” حسين الِشحات بصفع لاعب نادي “بيراميدز” محمد الشيبي, تلك الواقعة التي يلفظها ويرفضها الجميع, ولا يجب التهاون أبداً في محاسبة وردع أطرافها, كانت كاشفة وفاضحة لحالة الهزل والعشوائية والتدني التي تفشت في الإعلام الرياضي, حيث بلغ الشطط والسفه مداه ببعض هؤلاء الذين لا يعون قيم وأخلاقيات الرسالة الإعلامية وأمانة وخطورة الكلمة, ولا يدركون قيمة المسئولية الوطنية, ولا يشغلهم سوي الحفاظ علي السبوبة, أن يستغلوا هذه الواقعة ليس فقط لتأجيج روح التعصب والكراهية بين الجماهير المصرية، لكن تخطي الأمر ذلك ووصل لمحاولة صب الزيت على النار وإستعداء الجماهير المغربية ضد النادي الأهلي وجماهيره، في محاولة خسيسة ورخيصة لإخراج الواقعة عن إطارها وسياقها الرياضي وتصديرها علي أنها إهانة للشعب المغربي، الذي يجب أن ينتفض لكرامته، بل وصل الأمر إلي فبركة بيانات إدانة للجامعة المغربية لكرة القدم والسفارة المغربية بالقاهرة، وهنا لابد من طرح عدد من الأسئلة وعلامات الاستفهام التي تحتاج لإجابات واضحة:
1- أين المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام و هيئاته الرقابية من هذا المشهد…؟؟!!
2- أين معايير وشروط العمل الإعلامي من هذا المشهد…؟؟!!
3- أين مواثيق الشرف وأليات الرقابة والمحاسبة من هذا المشهد العبثي…؟؟!!
4- هل نجوم الكرة مؤهلين للتصدي للرسالة الإعلامية…؟؟!!
أما علي المستوي الإداري فحدث ولا حرج، فعلي مدار الحقب الماضية والإدارات المتعاقبة، تعددت أزمات وإخفاقات الكرة المصرية محلياً وقارياً نتيجة العشوائية التي تدار بها المنظومة، وغياب الرؤية والتخطيط المستقبلي لاستثمار المواهب التي تذخر بها مصر، ومواكبة الطفرات التي تشهدها الساحة القارية والدولية فنياً وإدارياً، حيث تحولت كرة القدم إلي صناعة وأصبح هناك ما يسمي بالاستثمار الرياضي الناتج عن استراتيجيات ودراسات علمية و رؤي مستقبلية، كل هذا يحدث ونحن ما زلنا غير قادرين حتي علي إدارة وتنظيم المسابقات المحلية، بل لم تنجح المنظومة سوي في صناعة الأزمات بسبب اختلال معايير التقييم والرقابة والمحاسبة، الأمر الذي جعل الأندية اقوي من المنظومة الإدارية، وباتت المشاكل والصراعات هي السمة الأبرز بين مكونات وحلقات المنظومة، والأخطر أن “التحكيم” الذي يعد أهم حلقات المنظومة، والضامن لتحقيق العدالة والمنافسة الشريفة بين مختلف الأندية، بات هو الحلقة الأضعف والمباحة أمام الجميع لمهاجمتها وتعليق شماعات الفشل عليها.
بل إن غياب الرؤية والتخطيط السليم أدي إلي غياب الأندية الشعبية التي كانت تضفي نوعاً من الجمال والمتعة لكرة القدم بجماهيرها المحبة والعاشقة، عن ساحة المنافسة لعدم قدرتها المادية التي تمكنها من التواجد والمنافسة مع أندية الشركات والمؤسسات والأندية الإستثمارية التي سيطرت علي مسابقة الدوري.
يا سادة إذا كانت لدينا الإرادة لتصويب المسار وإنقاذ المنظومة فلابد من وضع رؤي واستراتيجيات مستقبلية حقيقية وإختبار الكفاءات الإدارية التي تستطيع ضبط المشهد الراهن والتخطيط العلمي للمستقبل، وعدم استمرار هذه الحلقة المفرغة التي ندور بداخلها مع شلة المنتفعين الذين سيطروا علي منظومة كرة القدم إداريا وإعلاميا، فحين يفشل أحدهم في الإدارة ويتهم بالفشل والفساد ينتقل للإعلام الرياضي والعكس صحيح، نحتاج لوقفة حقيقية لضبط البوصلة وإستعادة ريادتنا الغربية والقارية وإلا بلاها كورة…