عمار يا مصر
الله يرحم أيام زمان .. كانت فوازير نيللي وشيريهان وفطوطة وعمو فؤاد تشيع البهجة والسرور في النفوس ، وكانت تقطع الوقت بالتسلية الممتعة وتسمح لنا بتشغيل مخنا في البحث عن حل الفوازير، وغالبا كنا نصل لفهمها وحلها .
فوازير الأيام دي تشيع الإحباط وتنشر اليأس في النفوس وتشل العقل وتصيبنا بالدهشة المستمرة بسبب غموضها وتعقيدها فلا نملك غير أن نضرب كفاً بكف ولسان حالنا يقول .. حسبنا الله ونعم الوكيل !
ولأننا شعب ابن نكته يحب الضحك والسمر وحل الألغاز في تجمعات السمر علي الكافيهات التي ملأت البلد وازدحمت بها الأرصفة وطمعت في الشوارع فاحتلتها قررت الحكومة أن تكون الفوازير طول العام وليس في شهر رمضان فقط ، والحقيقة أن فوازير الحكومة مثل حواديت ألف ليلة وليلة حيث يبدأ الحدوتة بشخوص محددة وخط درامي واضح ثم تكتشف أن الحدوتة أفرزت حواديت وتفرع خطها الدرامي ليصبح خطوطا كثيرة متشابكة ومتداخلة تلتف حول عنق من يحاول الدخول إليها لفكها والأمثلة علي ذلك كثيرة منها ..
رغيف العيش المدعوم .. كان الهدف هو القضاء علي ظاهرة طوابير الموت، ووقف تهريب الدقيق المدعوم ، وتقليل الفاقد نتيجة تحويل الخبز إلي علف للماشية والدواجن ، وتوصيل الدعم إلي مستحقيه .. فكانت النتيجة .. زيادة الدعم الذي تنفقه الدولة لدعم الرغيف .. صرف 6 مليارات جنيه مقابل نقاط الخبز الذي لم يصرف لأصحاب البطاقات المدعومة .. زيادة أطنان القمح الموجه لرغيف الخبز بدلا من تقليله .. زيادة الكميات المطحونة رغم صرف المليارات الستة ..! هنا تكون الفزورة .. أين ذهبت كميات القمح الزائدة عن معدلات الصرف السابقة علي اختراع المنظومة ؟ وأين ذهب الخبز الذي دُفعت فيه المليارات ؟ وأين ذهبت كميات الدقيق المطحون التي لم تدخل خطوط إنتاج الرغيف ؟ وأين ذهبت ملايين الجنيهات فرق أسعار بيع الردة الناتجة عن طحن القمح ؟ من يستطيع حل هذه الفزورة يستحق أن يكون رئيسا لوزراء مصر بشرط الامتناع عن إنتاج فوازير جديدة !
الأرز .. قرار بفتح باب التصدير للأرز الفائض عن احتياج السوق.. بعد شهرين أو ثلاثة.. قرار بعمل مناقصة لاستيراد آلاف الأطنان من الأرز لتعويض النقص في السوق المحلي .. زوبعة وروائح تزكم الأنوف وقرار بوقف تصدير الأرز بعد استيراد الكميات المطلوبة .. لغط وجدل بسبب وقف التصدير .. رئيس شعبة الأرز في اتحاد الصناعات يقول : إيقاف التصدير قرار سلبي ويحرم الدولة من العملة الصعبة ويضيف أن إنتاجنا من الأرز 4.5 مليون طن واستهلاكنا 3.3 مليون طن ، ويزيد الطين بله قائلا : كان المطلوب زراعة مليون و70 ألف فدان ليغطي الاستهلاك فتم زراعة 2 مليون و100 ألف فدان .. يعني لدينا فائض كبير وإنتاجنا هذا العام يغطي استهلاكنا 18 شهر .. هنا الفزورة .. لماذا يتم فتح الاستيراد وإنتاجنا يغطي الاستهلاك ويزيد ؟ ولماذا يسمح بالتصدير ثم نطلب الاستيراد بعد ذلك ؟ ولماذا يرتفع السعر ولدينا فائض حسب ما قاله رئيس شعبة الأرز ؟ من يستطيع حل الفزورة يستحق أن يكون وزيرا للتموين والزراعة في آن واحد !
إنتاج الحكومة من الفوازيرغزير .. السكر والزيت واللحوم وغيرهم ، والشهادة لله.. إنتاجها متميز وتستحق عليه كل شهادات الجودة العالمية بسبب تأثير هذه الفوازير علي العقل والنفس !
الحكومة تشتكي مر الشكوى بسبب عجز الموازنة الذي يشكل فيه الدعم النسبة الأكبر فتبحث عن الاقتراض وفرض ضرائب جديدة يتحملها المواطن ، وتغض الطرف أو ربما تستحي عن أموال بالمليارات يتم إهدارها بالسرقة والفساد والإهمال في ظل ترسانة قوانين لا أول لها ولا آخر ، وأظن أن هذه هي أم الفوازير ولذلك غُلب حمارنا بجد !