رغم أن ظاهرة النفاق الاجتماعى قديمة قدم البشرية إلا أن التاريخ يسرد لنا منها الكثير من الحوادث الفردية في أغلب الأحيان، لكن أزمتنا المعاصرة تكمن في تفشي تلك الظاهرة لدرجة كارثية من الكذب الصريح وطمس الوقائع وتزيف الحقائق وتحريف الكلم عن مواضعه، حتى باتت تلك الظواهر لغة العصر وشعار الزمان، الأمر الذي أدى إلى انحدار الكثير من القيم والأخلاق، وبسبب ذلك ساءت العديد من العلاقات الاجتماعية، وضاعت الكثير من الحقوق، واستشرى الظلم بأبشع صورة، وتعلمت الأجيال الخوف والجبن، وتجرعت ثقافة الضعف والاستكانة وغيرها من المساوئ.
إن مشكلة المنافق أنه يعيش بالقناعة التي يريدها سيده فإذا سقط سيده سرعان ما انقلب عليه، وتملق سيدا آخر، لذلك فتبدل المواقف في حياته يسير وكثير، دون أي شعور بالخجل أو المراجعة أو الاعتذار يأكل على كل الموائد، وجاهز لكل المواقف، ولديه براعة في قلب الحق باطلا والباطل حقا.
وكم من أمور حياة لا تسير إلا بنفاق مخجل غريب أقول أمامك شيء ومن خلفك أشياء اخرى أقول إن فلان ذو أخلاق ممتازة ومن خلفة أطعنة بكل سكاكين النفاق، ان النفاق الاجتماعي يتجسد بالدعايات الكبيرة والتهاني وشكر الشخصيات الاعتبارية البارزة ذات الشأن والتأثير بحجة إننا نقدرهم ونجلهم، بالاضافة الى مظاهر البذخ في الاعراس والمناسبات الاجتماعية المختلفة عملا بالقول (شوفوني يا ناس) أنا فلان ابن فلان ما يجري في مجتمعنا هو أمر مؤلم وشيء محزن ومقلق، فقد خدعتنا المظاهر، وشدتنا المفاتن واستبدت بالناس الانانية وإختفت روح الجماعة، وتلاشت المحبة والمودة الخاصة، وغاب الوفاء واستشرى حب المال.
هذا وقد بات النفاق امراً طبيعياً وأسلوب حياة، بينما صار الصدق مرفوضاً وعملة نادرة، ومن يسلك طريق الحق ويتبع الصدق نهجاً في عمله وتعامله وسلوكه وأفكاره وقيمة ومبادئة هو إنسان غريب وشاذ عن القاعدة وليس من أبناء العصر المودرن فليس كل ما يلمع ذهباُ وأمام هذه الكارثة الاخلاقية الاجتماعية وهذا الواقع الاجتماعي البائس المتردي كم نحتاج الى الجرأة والمصداقية والمواجهة ومحاربة كل مظاهر النفاق وإجتثاثه من جذوره لقد اّن لمجتمعنا النهوض من سباته، بمثقفية واكاديمييه، بالتنوير والتثقيف والتوعية والتنشئة الاجتماعية الصحيحة بهدف التخلص من العادات والظواهر الاجتماعية الضارة التي تفتك به وتهدد مستقبله، والعمل على بناء حياة مدنية عصرية على أسس جديدة يحكمة العقل والتفكير العلمي وقائمة على الصدق والنقاء والقيم الاخلاقية الحضارية والتعاليم الدينية الحقيقية فهذا الداء يحتاج إلى مواجهة حقيقية بالشفافية والصراحة وتحري الصالح العام فوق كل مصلحة شخصية أو منفعة وقتيه.