أخبار عاجلة

إبراهيم الصياد يكتب… هل أفشلت «ثورة يونيو» المصرية «سايكس بيكو 2» ؟

ما الذي كان يمكن أن يحدث لو لم تقم ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013 في مصر؟ في بدايات ذلك العام كان نظام «الإخوان» يتداعى تحت وطأة عوامل عدة منها تنامي الحركة الوطنية المعادية للجماعة بعد أن ثبتت هشاشة حكمهم عقب حل البرلمان نتيجة عدم دستوريته. وقد ألقى هذا على عاتق الحكم مسؤوليات تشريعية جعلت القرارات الرئاسية تصدر بلا دراسة وتُتخذ قرارات ويتم الرجوع عنها.
وهناك عامل آخر تمثَّل في ثبوت أن «مشروع النهضة» كان مجرد دعاية، أو تصورات خالية من المضمون، وأكبر دليل هو فشل خطة المئة يوم التي طرحها الرئيس المعزول محمد مرسي لحلحلة الأوضاع الداخلية.
وفي ظل هذا المشهد أخذ نظام «الإخوان» يقوي علاقاته بأطراف خارجية مثل تركيا وقطر ويفتح قناة اتصال مباشرة مع حركة «حماس»، ما يؤكد أنه انزلق إلى مستنقع الإرهاب وتواطأ مع منابعه خارج مصر. ولا ننسى في هذا المقام زلة اللسان التي وقع فيها مرسي عقب مذبحة رفح عندما قال إنه «يجب أن نحافظ على حياة الخاطفين والمخطوفين»، ما يعد دليلاً قاطعاً على أن لـ «الإخوان» علاقة مباشرة بنشاط المنظمات الإرهابية التي تعيث فساداً في سيناء وتجعلها منطلقاً لعملياتها في مصر وغير مصر.
وزاد الطين بلة ما حدث خلال الاحتفال بانتصارات تشرين الأول (أكتوبر) عام 2012 في ملعب القاهرة الذي تصدرت مدرجاته رموز الإرهاب، أمثال قتلة السادات وأعضاء مكتب الإرشاد وبعض ممثلي «حماس».
في ذلك اليوم كشف مرسي عن وجهه المتعاون مع الإرهاب الإقليمي والدولي. وفي أيار (مايو) 2013 ضرب حكم «الإخوان» مثلاً في ما يمكن تسميته الغباء السياسي عندما أذاعوا على الهواء مؤتمراً «سرياً» حول سد النهضة الإثيوبي.
لكن تطورات الأحداث بعد ذلك أثبتت أن «الإخوان» ربما تعمدوا بث محتوى المؤتمر لتشويه صورة مصر أمام العالم، ولم يكن هذا جديداً على توجهاتهم التي تكرَّست عبر منابعهم الفكرية، والتي اعتبرت الوطن مجرد وثن وأن علم الدولة ليس سوى صنم. وأثبت ذلك المشهد أن مصر دخلت نفقاً مظلماً، سياسياً واقتصادياً، في ظل تراجع معدل النمو إلى أدنى مستوياته وبات الاقتصاد المصري على حافة الهاوية واقتربت الخزينة المصرية من الإفلاس بعد تدني رصيد الاحتياط من العملات الأجنبية إلى حد الخطر، فيما لجأ نظام «الإخوان» لمعالجة الموقف بطباعة مزيد من أوراق البنكنوت من العملة المصرية بلا أي غطاء نقدي، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدل التضخم في شكل حاد مع انتشار الأزمات في الوقود والكهرباء والخبز. ولكن، كيف يمكننا تفسير موقف بعض الدول الغربية، وخصوصاً الولايات المتحدة من نظام حكم الإخوان في مصر؟
كانت تلك الدول تؤيد نظام الإخوان وعندما قامت الثورة في 30 حزيران لم تعترف بالنظام السياسي الجديد وأصرت على وصف ما حدث بأنه انقلاب.
الثورة قلبت الموازين وأفشلت خطة لتفتيت مصر والدول العربية كانت معدة للتنفيذ بمعرفة جهات غير عربية وبتواطؤ أطراف إقليمية. منذ منتصف القرن العشرين كان يقلق الدول الاستعمارية التقليدية والدول التي يطلق عليها «دول عظمى» تنامي المنطقة العربية بعد الاستقلال واكتشاف النفط باحتياطات لم تكن في الحسبان، وفي الوقت نفسه تعاظم فكرة القومية العربية في إطار إسلامي في شكل نقل تأثير العالم العربي من البعد الإقليمي إلى البعد الأممي. ولهذا كان من الضروري تحجيم القوة العربية والقضاء على الزعامات العربية والإسلامية آنذاك، فكان عدوان حزيران 1967 الذي يعتبر الضربة القاضية للنظام الناصري في مصر.
وفي نهاية سبعينات القرن الماضي عندما احتل السوفيات أفغانستان ظهرت فكرة أميركية تتبنى الحركات العنيفة ومنها «طالبان»، ومن ثم نجحت واشنطن في إنشاء تنظيم «القاعدة» ليواجه المد الشيوعي جنوباً حتى برزت مقولة «انقلاب السحر على الساحر» ولم يكن الهجوم على برجي التجارة العالمي في نيويورك في 11 أيلول (سبتمبر) 2001 سوى ترجمة عملية لهذه المقولة.
وأثبت التدخل العسكري الأميركي في الصومال وأفغانستان والعراق فشله ولهذا جاءت نظرية الفوضى الخلاقة التي مهدت لثورات الربيع العربي مطورة فكرة العنف الذاتي إلى انقلابات على دول المنطقة العربية من الداخل لإعادة رسم خريطتها في شكل لا يجعلها تقوم لها قائمة، وتستخدم لتحقيق ذلك المنظمات الإرهابية التي خرجت من رحم «القاعدة»، مثل «داعش»، وبعض الدول الإقليمية التي تبحث عن دور، ومن بينها إيران. هذا الوضع يذكرنا باتفاقية «سايكس بيكو» بين الدول الاستعمارية التقليدية لاقتسام الدول العربية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية في النصف الأول من القرن العشرين، مع الفارق أن الاستعمار هذه المرة ليس احتلالاً عسكرياً أو محاولة بسط نفوذ سياسي إنما تفتيت جيوبولتيكي للعالم العربي بتدمير نفسه بنفسه.
من نافلة القول إن «سايكس بيكو 2» أكثر خطورة من «سايكس بيكو 1» ولهذا نجحت «ثورة يونيو» في إفشال المخطط في ذلك الوقت، ما دعا إلى تأجيل المؤامرة، الأمر الذي يتطلب اليقظة في المرحلة المقبلة إذا أردنا تفويت الفرصة على من يريد بناء أمجاده على الأشلاء العربية. وبالطبع يجب ألا ننسى أن إسرائيل تتصدر قائمة المستفيدين من «سايكس بيكو2».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *