أخبار عاجلة

محمود عابدين يكتب… قوة العرب في وحدتهم «حرب 1973 العظيمة نموذجاً»

قبل زيارتي غير القصيرة لبلد الجِن والملائكة منذ زمنِ بعيد، كنت قد قرأت كثيرا عن تاريخ فرنسا؛ وعندما وضعت قدمي على أرض العاصمة باريس، وتحديدا شارع ريو دي لاشين؛ في باريس 20، رأيتها كما قرأت عنها تماما، بلد جميل حقا بسلوك مواطنيه وروعة مبانيه وصرامة قوانينه، وأعجبت أكثر برقي الشرطة الفرنسية في التعامل مع الأجانب المخالفين لقوانين الإقامة، وهم في الحقيقة كُثر، وأغلبهم من دولنا العربية، وتحديدا دول المغرب العربي ( تونس وليبيا والمغرب والجزائر بالإضافة إلى موريتانيا).
أثناء صلاتي يوم الجمعة بأحد المساجد القريبة من محل إقامتي؛ قابلت رجلا وقورا يتخطي الستين عاما بقليل من مواطني المملكة العربية السعودية؛ في الحقيقة – وهذه عادتي دائما – لم أبدأ معه أي حوار، فهو من صافحني بعد انتهاء الصلاة، لأنه كان يُصلي بجواري، وعرض على – مشكورا – خدماته بعدما علم أنني مصري وحديث التواجد بفرنسا.
ولأنني وجدت فيه من الصفات الطيبة ما يجعلني أرحب وأسعد بصداقته؛ فقد حرصت على الجلوس والحديث معه كلما سمحت لي الظروف بالصلاة في نفس المسجد، وفي كل مقابلة تجمعنا؛ كنت أجده كان حريصا في حديثه معي أن يثني الشعب المصري وعراقته بشكل عام، والرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات بشكل خاص.
ولأنني أعرف جيداً أن الملك فيصل بن عبد العزيز – رحمه الله وغفر له – كان على خلاف مستمر مع “عبد الناصر”؛ فكنت مندهشا من محبة الرجل للزعيم الراحل، وعندما أشرت له عن هذا الخلاف؛ وجدته مطلعاً على تاريخ المنطقة بشكل دقيق جدا، وبدأ يكشف لي عن بعض المواقف القومية للملك فيصل؛ محبة وخدمة منه للإسلام والمسلمين.
مما أذكره حاليا من بقايا حديث هذا الرجل الفاضل؛ موقف الملك فيصل مع مصر في حرب اكتوبر المجيدة عام 1973، وكيف اتخذ قراره الجرئ مع بقية دولنا العربية – التي مزقتها حاليا الفتن والحروب بأموال قطرية وارتزاق تركي وعداء إيراني وإشراف صهيو أمريكي – بمنع البترول عن الأمريكان حتى لا يساعدوا المحتل الصهيوني في حربه ضد مصر والشقيقة سوريا، وذلك عندما أستدعى رئيس شركة النفط الأمريكية بالمملكة، وقال له “إن أي نقطة بترول ستذهب لإسرائيل؛ ستجعلني أقطع البترول عن بلدكم، وقد كان؛ فلما علم بعد ذلك أن أمريكا أرسلت البترول لإسرائيل؛ أمر بقطع البترول عنها، الأمر الذي أثار غضب الأمريكان؛ فخرجوا في مظاهرات حاشدة وهتفوا: “نريد البترول ولا نريد إسرائيل”!!.. عندئذ هرول الصهيوني هنري كيسنجر – وزير خارجية أمريكا – في زيارة سريعة وسرية للملك، ونقل له بطريقة مستترة؛ التهديد العسكري الأمريكي للسعودية إن هي أقدمت على هذه الخطوة، فكان رد الملك فيصل حاسما وجادا عندما قال له أن السعودية مستعدة أن تفجر آبار نفطها.
نعم، لقد فعلها الملك فيصل ومن خلفه بقية دولنا العربية، وكانت له جملة شهيرة وهي “الدم العربي أم النفط العربي”؛ وبهذه اللحمة العربية، استطاع العرب آنذاك أن يستخدموا البترول كسلاح لتحقيق الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب، حيث قرر وزراء النفط العربي بعقد اجتماع يوم 17 أكتوبر من عام 1973م في دولة الكويت، وتم اتخاذ القرار التاريخي بخفض نسبة النفط لدول الغرب إلى 5% ورفع أسعاره، ومع ذلك دعم الرئيس الأمريكي ربيبته إسرائيل بمبلغ 2.2 مليار دولار يوم 19؛ مما إلى اتخاذ كل من 😞 السعودية والإمارات والجزائر والمغرب والكويت والعراق وليبيا ) قرارًا بإعلان الحظر التام للنفط الذي تحصل عليه الولايات المتحدة؛ مما تسبب لديهم في أزمة طاقة كبيرة .
وخلال زيارة “كينسجر” للملك فيصل داخل مخيم خارج الرياض، دخل كيسنجر منحنيًا من باب الخيمة، وكانت الجلسة على الأرض، وظهر الملك بكل عزة في منتصف المجلس ويحيطه أركان حكمه ؛ كما بدت القهوة العربية برائحتها العطرة ، وكأن الملك أراد أن يعطي درسًا واضحًا لكيسنجر بذلك الاستقبال ، وهو قدرتهم على العودة إلى العيش بالخيم والاستعانة بالجمال والاكتفاء بالتمر واللبن كطعام مثلما كان يعيش آباؤهم لآلاف السنين دون ملل أو كلل ، وقد قال الملك فيصل مقولته الشهيرة آنذاك وهي :”عشنا وعاش أجدادنا على التمر واللبن وسنعود لهما”، وكان ذلك هو أبلغ رد على محاولات أمريكا بالضغط عليه من أجل العزوف عن قراره .
وفي مذكراته؛ ادعى “كيسنجر” أن هناك قرارا سريا أمريكي بوقف عمليات إرسال السلاح إلى إسرائيل، وذلك على اعتبار أنه كان سيبدأ في منتصف نوفمبر لعام 1973م؛ موضحا أنهم سيواجهون العديد من المشاكل في حال عدم قبول الملك المفاوضات وتراجعه عن قراره ؛ فجاء رد الملك فيصل علي “كيسنجر” صارمًا وجادًا؛ فقال له :أقدر توضيحاتكم المعقولة؛ لكني في الوقت نفسه آمل أن تقدروا موقفنا؛ ما كان قرار وقف تصدير النفط قرارًا فرديًا من جانبنا، ولكنه كان قرارًا عربيًا جماعيًا، نحن جزء من العائلة العربية، أريد منكم الالتزام بانسحاب إسرائيل، لأذهب إلى إخواني العرب وأقول لهم ذلك، وأريد بالإضافة إلى ذلك شيئين : أولًا السرعة وثانيًا إعلان موقفكم علنًا.
وهنا أدرك “كيسنجر” فشل محاولاته في تراجع الملك عن قراره؛ رغم كل محاولاته الذليلة لحل المشكلة المتفاقمة التي وقعوا فيها بسبب انقطاع النفط عنهم، وهكذا عاد “كيسنجر” خائب الأمل إلى الولايات المتحدة ليكتب مذكراته التي ذكر فيها ذلك اللقاء التاريخي، وكيف بدا الملك فيصل رجلًا واثقًا في نفسه معتزًا بعروبته.
وتابع صديقي السعودي حديثه عن إيجابيات الملك فيصل لصالح أمته العربية والإسلامية؛ فذكر لي موقفا بعينه؛ وهو باختصار شديد؛ أن الزعيم الفرنسي شارل ديجول قال للملك فيصل بلهجة متعالية في لقاء جمعهما: يقول الناس يا جلالة الملك أنكم تريدون أن تقذفوا بإسرائيل في البحر – يقصد تصريح عبد الناصر في إحدى خطبه – فإسرائيل هذه أصبحت أمراً واقعا ولا يقيل أحد قبول هذا!!.. فأجاب الملك فيصل:
– يا فخامة الرئيس؛ أنا أستغرب من كلامك هذا !!.. إن الزعيم الألماني أدولف هتلر؛ احتل باريس، وأصبح احتلاله هذا أمراً واقعا، وكل فرنسا استسلمت إلا أنت؛ فقد انسحبت مع الجيش الانجليزي، وبقيت تعمل لمقاومة الأمر الواقع حتى تغلبت عليه، فلا أنت رضخت للأمر الواقع، ولا شعبك رضخ؛ فأنا أستغرب منك الآن وأنت تطلب مني أن أرضى بالأمر الواقع!!.. والويل يا فخامة الرئيس للضعيف إذا احتله القوي، وراح يطالب بالقاعدة الذهبية للجنرال ديجول؛ إن الاحتلال إذا أصبح واقعا فقد أصبح مشروعا!!.. عندئذ دُهش الجنرال ديجول من سرعة بديهة الملك فيصل ورده المنطقي، فغير لهجته وقال :
– لكن يا جلالة الملك؛ يقول اليهود إن فلسطين وطنهم الأصلي، وجدهم الأعلى “إسرائيل” ولًدِ هناك!!.. فأجاب الملك فيصل:
– فخامة الرئيس؛ أنا معجب بك جداً؛ لأنك متدين ومؤمن بدينك، وأنت بلا شك تقرأ الكتاب المقدس، أما قرأت فيه أن اليهود تواجدوا بأرض فلسطين كغزاة فاتحين؛ فحرقوا المدن، وقتلوا الرجال والنساء والأطفال؛ فكيف تقول أن بعد ذلك أن فلسطين بلدهم، وهي للكنعانيين العرب، أما اليهود فهم مجموعة من المستعمرين، وأنت تريد أن تُعيد الاستعمار الذي حققته إسرائيل منذ أربعة آلاف سنة ؟؟!!.. وواصل الملك حديثه مع “ديجول” بسؤال آخر:
– فلماذا لا تعيد روما – مثلا – استعمار فرنسا الذي كان قبل ثلاثة آلاف سنة فقط ؟!!!.. أتُصلح خريطة العالم يا جنرال من أجل اليهود، ولا تصلحها من أجل روما؟.. فنحن العرب أمضينا مائتي سنة أيضا في جنوب فرنسا، في حين لم يمكث اليهود في فلسطين سوى سبعين سنة فقط ثم نُفوا بعدها!!!.. وهنا قال “ديجول” للملك:
– ولكنهم يقولون أن أباهم ولد فيها !!.. فأجاب الملك فيصل:
-غريب !!!.. عندك الآن مئة وخمسون سفارة في باريس، وأكثر السفراء يلد لهم أطفال في باريس؛ فلو صار هؤلاء الأطفال رؤساء دول وجاءوا يطالبونك بحق الولادة في باريس!!.. فمسكينة باريس !!.. لا أدري لمن ستكون !!!؟؟.. اضطر هنا “ديجول” أن يلتزم الصمت، وضرب الجرس مستدعيا بعض مساعديه المسئولون عن تصدير السلاح للعصابة الصهيونية وقال:
– الآن فقط فهمت القضية الفلسطينية، أوقفوا السلاح المصدر لإسرائيل، وكانت حينذاك إسرائيل تحارب بأسلحة فرنسية وليست أمريكية.
توقف فجأة صديقي السعودي عن الكلام، فقلت له أن “ديجول” ما هو إلا “ترس” غربي في آلة المطامع الصهيونية لاغتصاب فلسطين، وهل نسينا بذور الدور التآمري الذي قام به سلفه نابليون بونابرت عندما وعد الصهاينة بتسليمهم أرض فلسطين كاملة بعد أن يساعدوه في حصار عكا عام 1799 ؟!.. ومنذ هذا التاريخ؛ توالت المؤامرة على فلسطين خاصة والمنطقة عامة حتى تم الاتفاق بين كل من: ( بريطانيا وفرنسا واسبانيا وهولندا وايطاليا وبلجيكا ) على عقد مؤتمر دعا له رئيس وزراء بريطانيا كامبل بترمان، وخرجوا منه بوثيقة كارثية ملخص نصها:
” على الدول ذات المصلحة؛ أن تعمل على استمرار تأخ المنطقة العربية وتجزئتها، وإبقاء شعوبها مضللة جاهلة متناحرة، وعلينا محاربة اتحاد هذه الشعوب وارتباطها بأي نوع من أنواع الارتباط الفكري؛ أو الروحي؛ أو التاريخ؛ وايجاد الوسائل العملية القوية لفصل بعضها عن بعض؛ وكوسيلة أساسية مستعجلة، ولدرء الخطر توصي اللجنة بضرورة العمل على فصل الجزء الأفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي، وتقترح لذلك إقامة حاجز بشري قوي وغريب بحيث يشكل في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس قوة صديقة للاستعمار عدوة لسكان المنطقة”.
يتضح من ذلك إن قضية فلسطين؛ هي قضية الأمة الكبرى والأساسية؛ لذلك فإن كل استراتيجية للوحدة؛ أو الاتحاد العربي؛ أو الإسلامي؛ أو الأفرو آسيوي؛ كانت وستظل فلسطين، وفي قلبها القدس الشريف في رأس قائمتها، رغم الحماقة والجنون الذي أقدم عليهما مؤخرا الرئيس الأمريكي ترامب؛ أحد العناصر المؤثرة في الحلف ( الصهيو – أنجلو – توراتي ) الأمريكي، والذي يصل عدد أعضائه 70 مليونا من أجمالي سكان أمريكا ضد شعبنا الشقيق ضمن خطة تآمرية جديدة تعرف بـ “صفقة القرن”.
وحتى تتضح الصورة أكثر؛ ففلسطين تشكل موقعا هاما للجسد الواصل بين شطري الأمة العربية؛ الشطر الأفريقي، والشطر الأسيوي، وعلى أطرافها في سيناء الحبيبة تتصل قارتا آسية وأفريقية، وامتداد العالم الإسلامي من طنجة إلى جاكرته تنفصم عراء عندما تكون فلسطين محتلة، ويقوم فيها كيان غاصب عدواني عنصري العقيدة والمفاهيم والأهواء؛ تمام كما هو الحال هذه الأيام.
وبذلك كانت وثيقة “كامبل” 1907 هي الخطوة الفعلية لتجزئة الأمة العربية بزرع كيان صهيوني غاصب بأرض فلسطين؛ فإن ثمة إجراءات استعمارية متتالية قد تحققت على أض الواقع فيما بعد؛ ومنها: مؤامرة مؤتمر سايكس بيكو 1916، ومؤتمر فرساي 1919، وسان ريمو 1920، ومؤتمر سيفر بذات العام 1920، وبعده لوزان 1923 و….. تتابعت الإجراءات، ومنها تجميع الصهاينة في مستعمرات غاصبة بأرض فلسطين، وصولا إلى إقامة كيان العدو وإعلانه بتاريخ 15-5-1948 تنفيذا لنص وثيقة “كامبل”، وكان بين فصول هذه المؤامرة – بالطبع – وعد بلفور 2-11-1917؛ وهو عبارة عن رسالة وجهها آرثر بلفور – رئيس وزراء بريطانيا – حينئذ إلي الصهيوني ليونيل ولتر روتشيلد، ونص الوعد معروف توابعه.
في كتابه “فلسفة الثورة” أكد “عبد الناصر” على مفهومه الجيد واستيعابه النابه لخيوط هذه المؤامرة التي ضمت دولا كبرى أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، ومن ثم كانت خطواته المتسارعة والدؤبة للم شمل العرب والمسلمين بأي شكل كان حتى يدحض هذا المخطط الشيطاني، فوضع تصورا ثلاثيا من ثلاثة دوائر هي: الدائرة العربية، والدائرة الإسلامية، والدائرة الأفروآسيوية”.
ما جعلني أتذكر كل ذلك، هو موقف العرب الموحد في حرب اكتوبر المجيدة، وتوضيح حجم الخيانة والعمالة التي تابعناها جميعا من حكام قطر ضد الأمة العربية، وكيف ساعد هؤلاء العملاء أعدا الأمة في تطبيق مخطتهم وتنفيذ مؤامرتهم للوصول إلى هدفهم في كل من: (سوريا وليبيا والعراق واليمن و….)، والبقية تأتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *