لا يزال العالم العربى الكتلة الشقية فى خرائط العالم، ورغم أن أراضيه تحوى أكبر الثروات التى تؤهل سكانه لمعيشة رغيدة وحياة هانئة ونهضة كبرى فى كل المجالات، لكن المرض السرطانى يكمن فى سكانه وتجريف وعيهم وإعلامهم وتعليمهم بحيث لم ينبغ منهم إلا من رحل عنه إلى الغرب، ولم نسمع عن عالم حقيقى فى وطنه، لأن آفة الشعوب العربية أنها تقتل الموهوبين وتشجع بتغافلها المسطحين والدجالين، وذلك كله فى ظل حكم متسلط بائس يتربع فيه أضعف عناصر السكان. وكانت مأساة العالم العربى ذات يوم هى الانقلابات العسكرية والتى قدمت نفسها فى شكل ثورات شعبية وهمية ولكن الحلقة الأوسع الناظمة لكل هذه الأساطير هى الهيمنة الأجنبية التى تصنع تحالفات وطنية تتمزق حناجرها بالشعارات الجوفاء: الاستقلال أو الموت الزؤام، والهتاف للزعيم بالروح والدم ومن لم يشترك فى الجوقة تدور حوله الشبهات والشكوك وتفتح له الملفات الأمنية التى تضعه صوب أعينها لاعتقادها أنه ربما يكون ممن يستخدمون عقولهم ولم تشملهم حمى النظم والزعماء.
وقد ظل العالم العربى حتى يناير 2011 معصوماً من التيارات الديمقراطية والحرية التى اجتاحت أوربا الشرقية وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، مستعليا على أمواج الحرية على سواحل البحر المتوسط، وهو قانع بما هو فيه، رغم ضيقه بجلاديه، وظن هذا العالم المسكين أن أسقف الهيمنة والاستبداد قد اخترقت فرأى السماء وراودته أحلام الحرية والانعتاق، فإذا هى مسرحية جديدة انخرط الشعب فى كل أدوارها منذ يناير 2011 .
منذ يناير 2011 كان لكل بلد سيناريو الشقاء الخاص به، وكان النموذج الأبرز فى مصر، حيث تولى المجلس العسكرى السلطة فى ظروف وبصيغة تحتاج الى تحليل منذ رحيل مبارك عن السلطة، ثم انقسمت القوى الثورية حول الدستور أولاً أم الانتخابات أولاً، ثم ظهرت التيارات الإسلامية تلح على تعديل الدستور والتركيز على الطابع الدينى للاستفتاء على التعديل، فانقسم المجتمع إلى مؤمنين داعمين للاستفتاء وكفار رافضين له خاصة وأن الكنيسة كانت طرفاً مباشراً فى الدعوة إلى رفض التعديل أو مقاطعة الاستفتاء. وظنت التيارات الإسلامية أن نسبة الموافقة على التعديل هو حجمها الانتخابى، وبالفعل أتت الانتخابات البرلمانية بنتائج أقرب إلى هذه النسبة، فتصورت التيارات الإسلامية أن هذه هى نسبة الإيمان إلى الكفر. ودون دخول فى تفاصيل ضرورية لها محل آخر فيما بعد، نقول إن الشعب المصرى فقد أثناء ثورة 25 يناير ما لايقل عن ألف قتيل وعشرة آلاف جريح، كلفوا الدولة كشهداء ومصابين مليارات الجنيهات النازفة من الوريد المصرى المريض، ثم خلال فترة الحكم العسكرى المباشر، فقد الشعب المصرى ما لايقل عن 500 قتيل وآلاف الجرحى وحسبوا شهداء ومصابين، وخلال حكم الإخوان، كان عدد القتلى والجرحى أقل لأن الإخوان لم يكن بيدهم أدوات القتل من الجيش والشرطة، ولكن منذ الثورة فى 25 يناير راح من المصريين وفات على مصر آلاف القتلى وخسائر لا تقدر بثمن أخطرها انعدام هيبة الدولة وانفلات البلطجية والإعلام وهبوط القيم وتفسخ المجتمع وتجريف الأراضى الزراعية، وهكذا بقيت أهداف ثورة 25 يناير حبراً على ورق، بل زادت مآسى المصريين ونضبت مواردهم، وتفاقم الفساد، ودخلت فى صراع محموم بين القوى السياسية المتسابقة على إسقاط النظام بصرف النظر عن الجميع، حتى إذا سقط نظام الإخوان، وقعت مجازر لايقل عدد ضحاياها عن 15 ألفا من القتلى و30 ألفا من الجرحى، ومليارات الجنيات خسائر الممتلكات العامة والخاصة، وشيوع اليأس والقلق على مستقبل مصر ومدى القدرة على مرور مصر إلى نظام ديمقراطى يحقق أهداف ثورة يناير، ناهيك عن تمزق المجتمع حول كافة محطات وتطورات الأحداث بدءا بيوم 30 يونيو والموقف منه، وحركة الجيش فى 3 يوليو، والحكومة المدنية التى أتى بها الجيش وخريطة الطريق التى أعلنتها، وتفويض الشارع لوزير الدفاع للتصدى للعنف والإرهاب «المحتمل» وفض اعتصامات الإخوان وأعوانهم وسقوط آلاف القتلى والجرحى وموقف الدول الأجنبية وكل هذه المحطات أحدثت تهتكا شديدا فى جسد المجتمع المصرى، ولا يزال الإرهاب فى سيناء يحصد أرواح المصريين من الجانبين.
أما فى سوريا، فقد سقط ما لايقل عن مليون سورى وأجنبى بين قتيل وجريح وتدمير بنية الدولة والمجتمع وملايين النازحين والمهاجرين، ومكاسب أصدقاء النظام فى سوريا وخسائرهم، فضلاً عن تدهور علاقات سوريا العربية ومع دول الحوار وتجريف ما تبقى من الجامعة العربية. وفى العراق، سقط الملايين قتلى وجرحى والأخطر وتمزق البلاد والصراع الطائفى. وفى لبنان التى تأثرت بالأزمات السورية والعراقية والمصرية، راح المئات فى صراح طائفى والتمهيد لحرب أهلية جديدة. أما فى تونس، فالصراع أشد والتوتر أعلى ولكن القتلى فى المواجهات أقل، يعوضه احباط أكبر وتدهور علاقات القوى. وفى اليمن آلاف القتلى والجرحى والاحباط وتهديد البلاد بانفصال الجنوب، وتمزق الجيش والقبائل، وانفصال الشرق، وتمركز القاعدة والأعمال الأمريكية المؤثرة على مستقبل البلاد. وفى البحرين، راح المئات ومعها دخول البحرين إلى منطقة الصراع بين إيران والخليج خاصة السعودية. وفى ليبيا، راح مئات الآلاف، وضاعت الوحدة الوطنية، ولم تعرف بعد المناخ المناسب لإنشاء الدولة الجديدة. هكذا أطاحت الثورات العربية بالدماء العربية، ووحدة المجتمعات، وأحلام الوحدة، وزادت مخاطر التفتيت الوطنى، وضياع الموارد. فهل كانت مؤامرة بين الحكم المستبد والغرب، أم أن الشعوب فعلا ثارت ولكن تم توجيه ثوراتها ليكتب الغرب فيها السطر الأخير.
المؤكد أن الشعوب العربية تشعر بالأسى والضياع، فقد عادت إلى ما كانت عليه من عبودية وحرمان وقهر، ودماء وتدهور فى ظروف أخرى دفعت البعض الى الترحم على الحكام السابقين رغم كل شيء والاخطر فى المشهد هو خيبة الأمل مع ضياع التوافق المجتمعى ،وقد استبدلت الحرية بالفوضى وانعدام الأمن وتجدد الصراع بين القوى التى انفجرت فيها الثورة وبين رموز الثورة التى لم تقبض على السلطة والثروة ولايزال استقلال الوطن أكثر عرضة للخطر. والأخطر من ذلك فقدان البوصلة التى يجب أن تسير عليها الشعوب العربية بعد أن أدركت أن الفائز الوحيد فى هذه المآسى هو إسرائيل، وأن الضحية الأصلية هى فلسطين، رغم أن كافة الثورات تعهدت باسترجاع فلسطين والأقصى، فإذا ببلادها تلحق بهما فى عالم الضياع. وتلك قصة تحتاج إلى رواية وتحليل فى السنوات القادمة.
إن مصر التى تلعب دور القاطرة، إذا ضلت طريقها، فسوف تقود المنطقة كلها إلى الضلال، ولا نظن أن الاتفاق بين المراقبين مجمع على إجابة واحدة، لأن مصر لا تزال تتحرك إما صوب الجنة وإما إلى الجحيم، وما بينهما شعب فقد الأمل فى غده، ولا تزال تداعبه أحلام اليقظة.
الخلاصة، عصر الانتحار العربى لابد أن ينتهى وأن تعود عصمة الدم العربى عقداً جديداً بين كل شعب على حدة، ولابد أن تنشأ هيئة من الحكماء لتطبيق هذه القاعدة وتكون لها السلطة على مصادر القوة المادية والإعلامية والروحية، ومن العار على العرب أن يقتلوا أنفسهم بينما يتمتعون بكل أدوات القوة ولابد من التسلح بالعقل واعلاء المصلحة العليا ولذلك يتعين الاستثمار فى الثقافة والتعليم ولابد من انشاء هيئات شعبية عبر الدول تضع ميثاقا لإعادة الاعتبار للعرب وعلى الطغاة ان يكفوا عن عرقلة تقدم اوطانهم التى خذلوا شعوبها إذا أرادوا فعلاً أن يفلتوا من لعنة الله والتاريخ والاجيال القادمة والأمم الأخرى.
ورغم كل شيء فقد سرت روح جديدة عند الشعوب سوف تثمر الحرية والعقلانية والرخاء وحتى لو افترضنا جدلا ان الغرب قد اسهم فى هذه الثورات فإن هذه النتيجة لم تكن فى حسباتهم فرب ضارة نافعة.
